من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٣ - وما أدراك ما العقبة
طريقان، واضحان، متميزان، ظاهرة معالمهما، ومعروف روادهما.
[١١] كل ما في الإنسان يعكس المسؤولية التي حمل إياها، فقد ألهم الفجور والتقوى، وأودع في داخله نوازع الشر وحوافز الخير، وسخرت له الأشياء لكي يستخدمها في واحد من السبيلين، والسؤال: كيف ينبغي أن يتصرف حتى يحقق المسؤولية التي هي الهدف من خلقه؟ عليه أن يقتحم، وما لم يفعل ذلك يبقى وراء جدار التخلف. فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ هل تسلقت الجبال، وهل صادفك طريق وعر ضيق بين الصخور المتراكمة، ومن تحتك الوادي العميق، الحالة النفسية التي يعيشها المتسلق الشجاع هي الحالة المطلوبة في تحدي الصعاب في الحياة وتحمل المسؤوليات، قمة في الوعي ومضاء في العزم وشجاعة في الإقدام. أية وسوسة أو تردد أو ارتجاج للقدم، أو أية غفلة وتساهل تكفي سببا للسقوط في الهاوية السحيقة!.
وقالوا عن الاقتحام: الدخول بسرعة وضغط وشدة، والعقبة: الطريق الصعب الوعر الذي فيه صعود.
[١٢- ١٣] وأي شيء العقبة؟ إنها تجاوز شح النفس، ومصارعة هواها بالكرم والإيثار. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ قالوا عن فك الرقبة: أنه أشمل من عتق رقبة، لأن العتق هو تحرير الرق بصورة كاملة، بينما فك رقبة يكون ذلك بالمشاركة مع الآخرين، وأوردوا في ذلك حديثا مأثورا عن رسول الله صلى الله عليه واله يقول الحديث المرفوع عن البراء بن عازب: [جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله وَقَالَ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ فَقَال صلى الله عليه واله
إِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الخُطْبَة لَقَدْ أَعْرَضْتَ المَسْألَة، أَعْتِقْ النَسمَة وَفُكَ الرَقبَة.
فَقَالَ: أَوَليْسَا وَاحِدَاً، قَالَ صلى الله عليه واله
لَا عتْقُ الرَقَبة أَنْ تَنْفَرِدْ بِعِتْقِهَا، وَفَك الرَقَبَة أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالفَيء عَلى ذِي الرَحِم الظَالِم، فَإنْ لَم يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِم الجَائِعْ، وَاسْقِ الظَمآن، وَأمُرْ بِالمَعْروفِ، وَانْهَ عَنْ المُنْكَر، فَإِنْ لَم تُطِقْ ذَلِكَ فَكُف لِسَانكَ إِلا مِنْ خَير] [١].
[١٤] أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ إن الإطعام جيد وعند المجاعة حيث يحضر النفوسَ الشحُ لا يكاد يغيب عنها، وينتشر الاستئثار، ويصبح الناس في هلع شديد، يكون الإطعام أعظم ثوابا، لأنه يعتبر تجاوزاً لحالة الشح، واقتحاماً لعقبة حب الذات.
[١٥] والإطعام قد يكون بهدف الحصول على مكسب مادي أو رياء وسمعة، ويتبين ذلك عادة عند انتخاب موضعه، فمن الناس من لا يعطي الفقير درهما ولكنه ينفق على الموائد الباذخة ألوف الدنانير. من هنا حدد الله كل الإنفاق وقال يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ فأولى الناس بالاهتمام بالأيتام أقرباؤهم، واليتيم، حلقة ضعيفة في المجتمع، لضعفه وقلة احترام الناس له،
[١] مستدرك الحاكم النيسابوري: ج ٢، ص ٢١٧، نور الثقلين: ج ٥ ص ٥٨٣.