من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٧ - سبح بحمد ربك واستغفره
[٣] لأن النصر من عند الله ينبغي أن نشكر الله عليه، ونسبحه ونقدسه، ونطهر بذلك أفئدتنا من تلك الوساوس الشيطانية التي أصابتها أيام المحنة، فزعم البعض: أن الله تعالى قد أخلف وعده، أو أنه سبحانه لم يقدر على النصر أو ما أشبه، مما يعبر عنه القرآن الكريم بالزلزلة حيث يقول وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤]. وها هو النصر قد أقدم، فلنغسل بمياهه المتدفقة آثار الهزيمة، ولنسبح الله. ثم إن للنصر كما للهزيمة آثاراً سلبية كالغرور والتكبر والتعالي والتطرف، وعبر الإيمان بالله، والمزيد من اليقين يمكن السيطرة على تلك الصفات .. من هنا أمر الله بالتسبيح والحمد وقال فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ثم إن المؤمن يتخذ من كل حادثة أو ظاهرة معراجا لروحه، ووسيلة لتكامل نفسه، وتنامي صفات الخير فيها، والنصر واحد من أشد الحوادث أثرا في النفس البشرية، ولذلك يتخذه المؤمن وسيلة للتعرف على ربه، والتقرب إليه.
والتسبيح تقديس الله عن صفات المخلوقين وعن إحاطة علمهم به، بينما الحمد نعت لله بالأسماء الحسنى وما فيها من صفات الجلال والجمال، ويقدم التسبيح على الحمد لأن إثبات صفة لله قد يوحي ببعض آثاره السلبية، فإثبات القدرة قد توحي بالظلم، وإثبات الرحمة قد توحي بتجاوز الحكمة، بينما ربنا مقتدر عدل ورحيم حكيم.
وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ويبقى طريق الكمال مفتوحا أمام الإنسان، وتبقى تطلعاته إلى التسامي مشروعة، والاستغفار أقرب وسيلة إلى تحقيقها؛ لأنه يوقف الإنسان على نقاط ضعفه، ومواقع عجزه، ويحسسه من جهة بمدى حاجته إلى الكمال. ومن جهة أخرى بإمكانية ذلك. وحينما يحس الإنسان بضعفه وعجزه ودرجات قصوره وتقصيره يعتريه شعور عميق باليأس من إصلاح نفسه لولا التوجه إلى الله، والتذكر بأنه تواب رحيم. وحينما يستغفر المنتصر ربه لا يخضع لحب الانتقام من أعدائه الذين انتصر عليهم، بل يتحلى بروح التسامح والعفو، أوليس يطلب الغفران من ربه والعفو، إذاً فليعفو وليغفر للمذنبين حتى يعفو عنه الله ويغفر له.