من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٨ - ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعماً لقريش فأصابت فيها مئتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، فلما بلغه ذلك خرج حتى أتى القوم- وكان حاجب أبرهة رجلًا من الأشعرين وكانت له بعبد المطلب معرفة- فاستأذن له على الملك، وقال له: أيها الملك! جاءك سيد قريش الذي يطعم أنسها في الحي ووحشها في الجبل، فقال له: أئذن له- وكان عبد المطلب رجلا جسيما جميلا- فلما رآه أبو يكسوم أعظمه أن يجلسه تحته، وكره أن يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره، فجلس على الأرض، وأجلس عبد المطلب معه، ثم قال: ما حاجتك، قال: حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدمتك، فقال أبو يكسوم: والله لقد رأيتك فأعجبتني، ثم تكلمت فزهدت فيك، فقال: ولم أيها الملك؟!. قال: لأني جئت إلى بيت عزكم ومنعتكم من العرب وفضلكم في الناس، وشرفكم عليهم، ودينكم الذي تعبدون فجئت لأكسره وأصيبت لك مئتا بعير فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك ولم تطلب إلي في بيتكم! فقال له عبد المطلب: أيها الملك! أنا أكلمك في مالي ولهذا البيت رب هو يمنعه، لست أنا منه في شيء، فراع ذلك أبا يكسوم، وأمر برد إبل عبد المطلب عليه، ثم رجع وأمست ليلتهم تلك الليلة كالحة نجومها، كأنها تكلمهم كلاماً لاقترابها منهم، فأحست نفوسهم بالعذاب، وخرج دليلهم حتى دخل الحرم وتركهم، وقام الأشعرون وخثعم فكسروا رماحهم وسيوفهم، وبرئوا إلى الله أن يعينوا على هدم البيت، فباتوا كذلك بأخبث ليلة، ثم أدلجوا بسحر، فبعثوا فيلهم يريدون أن يصبحوا بمكة، فوجهوه إلى مكة، فربض، فضربوه، فتمرغ، فلم يزالوا كذلك حتى كادوا أن يصبحوا، ثم إنهم أقبلوا على الفيل، فقالوا: لك الله أن لا نوجهك إلى مكة، فانبعث فوجهوه إلى اليمن راجعاً، فتوجه يهرول، فعطفوه حين رأوه منطلقا، حتى إذا ردوه إلى مكانه الأول ربض، فلما رأوا ذلك عادوا إلى القسم، فلم يزالوا كذلك يعالجونه حتى إذا كان مع طلوع الشمس طلعت عليهم الطير معها الحجارة، جعلت ترميم وكل طائر في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطن إلا خرقه، ولا عظم إلا أوهاه وثقبه، وثاب أبو يكسوم راجعا قد أصابته بعض الحجارة، فجعل كلما قدم أرضاً انقطع له فيها إرب، حتى إذا انتهى إلى اليمن لم يبق شيء إلا باده، فلما قدمها تصدع صدره وانشق بطنه فهلك، ولم يصيب من الأشعريين وخثعم أحد، وكان عبد المطلب يرتجز ويدعوا على الحبشة يقول [١]
يا رب لا أرجو لهم سواكا
يا رب فامنع منهم حماكا
إن عدو البيت من عاداكا
إنهم لم يقهروا قواكا