من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - هل أتاك حديث الغاشية؟
الواقعية كما هي ويجعلنا نعتبر بها. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ عندما ينبلج الفجر من الأفق، وينتشر الضياء فوق الروابي، وتسرع أسراب الطيور بالتحليق بحثا عن رزقها، وتستيقظ الطبيعة لتسبح ربها، هنالك انظر إلى السماء كيف جعلها الله سقفا محفوظا، وزرقة وادعة، وروعة وجمالا. وعند المغيب حينما تتماوج الألوان الزاهية فوق قطعة سحاب تسمرت في الأفق شطر المغرب، إنها تذهب حقا بالألباب، وينتبه الإنسان يومئذ إلى هذا البناء العظيم فوقه كيف بناه الله ورفعه بلا عمد نراه. وفي الليل عندما يسير زورق فضي في بحر من الظلام، وتنتثر على امتداد البصر النجوم الثواقب، لا تكل العين من جمالها وروعتها .. هنالك يقول الإنسان: سبحانه الله. أما إذا جلس المرء وراء جهاز تلسكوب لينظر من خلاله إلى الأجرام السابحة في الفضاء الرحيب، واستمع إلى عالم فلكي يشرح له المسافات الضوئية بينها وإلى دقة نظامها فلا يملك إلا أن يسجد لله القدوس ويكفر بالأنداد من دونه.
[١٩] وتنساب العين من السماء إلى الجبال ليجد الكتل الصخرية الهائلة قد نصبت في مراكزها لتقي الأرض شر الهزات والعواصف، ولتكون خزائن المياه، والمعادن، ويتساءل: ما هده الدقة المتناهية في وضع هذه الصخور في مواضعها لو تقدمت عنها أو تأخرت سببت مشاكل عظيمة! ولو فكرت كيف تكونت الجبال لازددت عجبا. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ.
[٢٠] ونظرة إلى الأرض وطريقة انبساطها وتذليلها وكيف مهدها الله للإنسان بفعل الأمطار الغزيرة التي غسلت أطراف الجبال وسوت الأرض لتكون صالحة للسكنى والزراعة. وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ وهذه الكلمات تذكرنا بضرورة البحث عن الكيفية، وميزات وخصائص كل الموجودات حولنا، وأيضا البحث عن العوامل المؤثرة فيها: كيف وبأية عوامل ملموسة كانت السماء وكانت الجبال وكانت الأرض بهذه الكيفية، وهكذا يحرضنا كتاب ربنا على البحث والتنقيب سواء على صعيد العلماء والخبراء أم على مستوى كل فرد فرد منا علينا جميعا أن نتفكر ونعقل ولا نكون غافلين عما يجري حولنا .. إن ذلك هو السبيل إلى معرفة الخالق أكثر فأكثر، ومعرفة الخالق هي أصل كل خير وفلاح.
[٢١] الأدلة مبثوثة في أرجاء الخليقة، وعقل الإنسان يكفيه حجة، ويأتي النبي صلى الله عليه واله ومن يتبع نهجه ليقوم بدور المذكر. إنه ليس مكلفا عنهم ولا مكرها لهم، ولا يتحمل مسؤولية أفكارهم، وإنما هم المسؤولون. فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ فما على الرسول إلا البلاغ المبين، حتى معرفة الله لا تتم إلا بعقل الإنسان الذي يستثيره النبي بتذكرته.
[٢٢] وليس الرسول عليهم بجبار، إنما يذكر بالقرآن من يخاف وعيد. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ السيطرة هي التسلط ومعناها الجبر والإكراه.