من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٦ - ألم نشرح لك صدرك
بالمؤمنين، لذلك كررت الآية إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً قالوا: إن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه فهو هو، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان ليكون أقوى للأمل وأبعث للصبر. ولذلك جاء في الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه واله: أنه خرج مسرورا فرحا، وهو يضحك، ويقول [..
لَنْ يُغْلَبَ عَسِرٌ يَسرْينِ] [١].
[٧] كيف جعل الله مع عسر واحد يسرين اثنين؟ إنما بتوكل المؤمن على ربه، واجتهاده في العمل، حتى إذا فرغ من مسؤولية لمسؤولية أخرى فمن دون توان أو انقطاع. فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ قالوا: فإذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء، قبل أن تقوم من مقامك، أو إذا فرغت من أمور الدنيا فانصب للعبادة، أو إذا فرغت في نهارك عن أمور الخلق فانصب بالليل في طاعة الحق. ويبدو أن كل هذه المعاني صحيحة لأن الكلمة تسعها، ومعناها- فيما يظهر- الفراغ من عمل والاجتهاد في عمل جديد، والعمل الأول يكون أسهل من الثاني لأنه قد بذل جهده فيه، ولذلك جاء التعبير ب- فَانصَبْ.
ذلك أن القلب المتقد شوقا إلى رضوان الله، وولها إلى الزلفى منه لا يني يحمل الجسد على الأعمال الصالحة، لا يفرغ من واحد حتى تراه يشتغل بالثاني ويجتهد فيه وينصب لتحقيقه، أن نفسه منه في نصب لأن أهدافه كبيرة، وتحسسه بالزمن وسرعة انصرامه عنه، وبالموت وتسارع خطاه إليه، وبالأجل الذي لا يستأخر ولا يستقدم ساعة حلوله، وبالقبر الذي ينتظره لنومة طويلة، وبالحساب ينتظره بكل هيبته ودقته .. أقول: إن عمق تحسسه بكل ذلك يقض مضجعه، ويسلب راحته، ويلهيه عن اللهو، ويشغله عن اللعب، ويصومه عن لذات الدنيا إلا بقدر حاجته، ويزهده في درجاتها الزائلة.
هكذا كان أولياء الله الصالحين ولا يزالون فطوبى لهم ثم طوبى لهم، وهكذا تجدهم عند نزول الموت بهم يتحسرون لا لفراق الأحبة، وانعدام لذات الدنيا. كلا .. وإنما لأنهم بالموت يفقدون لذة قيامهم بالليل ومناجاتهم مع رب العباد، كما يفقدون لذة العطش في صيام الهواجر. كذلك يصفهم الإمام علي عليه السلام في خطبة المتقين حيث يقول
[ولَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ.
فَهُمْ والْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وهُمْ والنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ، قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وشُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ وأَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ، وحَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٩٠.