من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٥ - يا أيها الإنسان ما غرك برك الكريم
حتمية، فإن الإنسان يستطيع تحويلها، ولكن أغلب الناس يرضون بها مما يحقق الحكمة الإلهية من توزيعها على البشر.
[٩] ماذا ينبغي أن تكون علاقاتك بربك؟ هل التمرد والطغيان أم التسليم؟ حقًّا: إن أغلب الناس ينحرفون نحو الطغيان الذي يبدأ من التكذيب بالجزاء، وهو أعظم أسباب الغرور، فمن آمن بالجزاء اتقى غضب الرب كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإن هذا التكذيب لا يتناسب أبدا وتلك النعم الإلهية التي تهدينا إلى قدرة الرب وحكمته.
[١٠] وهل يتخلص الإنسان بالتكذيب من أهوال الساعة أو مسؤولية أفعاله؟ بتعبير آخر: هل إني لو كذبت بالموت لا أموت، أو كذبت بوجود المرض أعافى منه؟ بالعكس التكذيب بذاته جريمة كبرى قدر لها عقاب عظيم، وهو مفتاح لأبواب الشر، لأنه يخدع الإنسان فيسترسل في سلسلة من المعاصي دون رادع من ضمير أو ناصح من عقل .. وكلها تسجل عليه فيحاسب عليها حسابا عسيرا وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ يحفظون كل عمل يرتكبه الإنسان أو قول يتفوه به أو هاجسه بقلبه، قال ربنا سبحانه مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨]. هكذا قال أكثر المفسرين، ويحتمل أن يكون المراد من الحافظين الذين يحفظون البشر من المهالك حتى يأتي أمر الله، كما قال الله إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤]، وقال تعالى وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام: ٦١]، وقال لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد: ١١].
[١١] وهؤلاء الحفظة كرام عند ربهم: تساموا عن الكذب أو الغفلة أو السهو، وهم بالإضافة إلى ذلك يكتبون ما يصدر من الإنسان. كِرَاماً كَاتِبِينَ.
[١٢] ولا يمكن للإنسان أن يخفي عنهم شيئا من أعماله لأنهم حضور شهود يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ، قال أمير المؤمنين علي عليه السلام
[اعْلَمُوا عِبَادَ اللهِ أَنَّ عَلَيْكُمْ رَصَداً مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وعُيُوناً مِنْ جَوَارِحِكُمْ، وحُفَّاظَ صِدْقٍ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَكُمْ وعَدَدَ أَنْفَاسِكُمْ، لَا تَسْتُرُكُمْ مِنْهُمْ ظُلْمَةُ لَيْلٍ دَاجٍ ولَا يُكِنُّكُمْ مِنْهُمْ بَابٌ ذُو رِتَاجٍ]
[١]. وروي عنه عليه السلام أنه مر برجل وهو يتكلم بفضول الكلام، ويخوض في أحاديث لا نفع فيها ولا طائل وراءها، فقال
[يَا هَذَا إِنَّكَ تُمْلِي عَلَى كَاتِبِيكَ كِتَاباً إِلَى رَبِّكَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَعْنِيكَ وَدَعْ مَا لَا يَعْنِيك] [٢].
وجاء في كتاب سعد السعود لابن طاووس: [دَخَلَ عُثْمَانُ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالَ
[١] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٣٢٢.
[٢] بحار الأنوار: ج ٥، ص ٣٢٧.