من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٦٠ - سبح اسم ربك الأعلى
أن نقول: طلعت الشمس إن رأيتها، هذا واضح إن فكرت. وقد اختلف المفسرون في معنى الآية، قال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع، والمعنى: فذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع فحذف، كما قال سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ .. [النحل: ٨١]، وإطلاق الوجوب لا يستقيم مع مثل فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [النجم: ٢٩] إلا من باب إتمام الحجة. ثم لا يجب الاستمرار في التذكر. وقال ابن عباس: تنفع أوليائي ولا تنفع أعدائي، وقال البعض إِنْ هنا بمعنى [إذ] كقوله وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: ١٣٩]، وهو بعيد لأن الذكرى ليست دائماً نافعة كما هو واضح. والأقرب: أن كلمة إِنْ هنا الشرطية في الظاهر، ولكن المراد منها هنا ليس ظاهرها، كما أن أداة الاستفهام تطلق ويراد بها التقرير أو الإنكار أو ما أشبه، ولأن الذكرى تسبق معرفة نفعها وعدم نفعها فإن الشرط إنما هو لبيان فائدة التذكرة لا أصلها وإلفات النظر إلى رجاء الفائدة، ويستفاد ذلك من السياق الآتي الذي يفصِّل موقف البشر من التذكر سَيَذَّكَّرُ و وَيَتَجَنَّبُهَا. وبعبارة: إن رجاء الانتفاع من التذكر هو مبرر السعي في التذكير، والحد الأدنى منه حاصل وهو إتمام الحجة، نعم رجاء الانتفاع يرتفع مع الذين حكى عنهم القرآني إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦]، فلا يجب التكرار.
لذا المبلغ إنما يختار لدعوته الذين يجد فيهم أرضاً طيِّبة لكلمته المباركة ويترك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرَّتهم الحياة الدنيا يقول تعالى وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [الأنعام: ٧٠].
[١٠] التذكرة للجميع. إنها موعظة للمؤمن، وحجة بالغة على الكافر، والدليل أن المؤمن يتذكر بها، بينما الأشقى يتجنبها. سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى الخشية ميراث المعرفة، فمن لم يفكر في المستقبل ولم يعش وعيه لا يستعد له، فلا يبحث عما ينفعه فيه، ولا يتحذر مما يضره فيه. وهكذا جعلت الخشية التي هي فعل الإنسان نفسه شرطا لنفع الذكرى. لنعرف أن علينا ألا ننتظر الهدى من دون سعي منا إليه، بلى، لو تقدمت إلى الله شبرا تلقاك رب الرحمة بفضله مترا وأكثر.
[١١] أما الكافر الذي بلغ من الشقوة درجة سدت أبواب المعرفة أمامه فإنه يتجنب التذكرة. وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى فهو يهرب منها كما لو إنها تضره، ويضع أمامه حواجز لكي لا تصل إليه، ويلفق حول صاحبها التهم عساه يقنع نفسه بأنه على حق، وهو الأشقى لأنه لا