من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٠ - يا أيها الإنسان ما غرك برك الكريم
إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ قالوا: أي تشققت بأمر الله وتنزلت الملائكة، كما قال ربنا العزيز وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنزِيلًا [الفرقان: ٢٥].
ويبدو أن الأمر أعظم من ذلك، فالسماء التي جعلها الله سقفا محفوظا لم تعد بناء متقنا. أوليس انتهى يوم الامتحان وجاء يوم الحساب؟ أوليس امتحان البشر هو حكمة الخلق والآن ذهبت الحكمة فليذهب ما يتصل بنا. وإذا انفطرت السماء تقاطرت الصخور العملاقة التي جاءت من تفتت النجوم على الأرض، فويل لمن لا يحتمي اليوم بظل التقوى حتى يكون ذلك اليوم محميًّا بظل العرش!
[٢] حوادث عظيمة في تاريخ العالم، كالانفجار الهائل الذي ترى بعض النظريات العلمية أنه وقع قبل حوالي (١٥) مليار سنة، والذي تلتقط بعض الأجهزة العلمية الحساسة صداه في أطراف الكون .. ولا ريب أن هذه الحوادث تتكرر لأن عواملها قائمة، ولكن متى وكيف؟ لم يبلغ علمنا حتى اليوم معرفة ذلك، بيد أن الوحي ينبئنا بأن نظام وجود المنظومة التي نعيشها ينهار، فهل ينهار أيضا نظام سائر المنظومات والمجرات؟ يستوحي بعض المفسرين ذلك من هذه الآية التي تقول وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ قالوا: الكواكب كل النجوم، ومعنى انتثارها تبددها، لأن انتثرت بمعنى الانتثار والتساقط. ولكن يحتمل أن يكون الأمر خاصًّا بهذه المنظومة وكواكبها لأن الحديث يتعلق بما فيها، والله العالم.
[٣] وما هي علاقة انتثار الكواكب بانفطار السماء؟ هل أن ضغطا هائلا تتعرض له منظومتنا تتسبب في تبدد السماء وانتثار النجوم، أم أن انعدام الجاذبية يسبب فقدان التوازن الدقيق الذي تعيش عليه الأرض، أم شيء آخر؟ لا نعلم إنما الذي يبدو لنا من خلال النصوص أن هزة عنيفة تصيب صميم الخليقة، حيث إن البحار تتفجر بعد أن تسجر نارا وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ، وقال بعضهم: إن معنى فُجِّرَتْ تداخل بعضها في بعض حتى يكون بحرا واحدا، كما فسروا كلمة سُجِّرَتْ في السورة السابقة بالامتلاء، بيد أن المناسب لانفطار السماء، وانتثار النجوم فيها تفجر البحار، والله العالم.
[٤] وتتماوج البسيطة كما مياه البحر، وتخرج الأرض أثقالها التي في بطنها، ومنها أجساد بني آدم التي تقذف منها بعد أن يحييها الله سبحانه وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، قالوا: بمعنى قلبت وأخرج ما فيها من أهلها.
[٥] في مثل هذا الجو يجد الإنسان أعماله ماثلة أمامه، حيث لا سماء تظله، ولا جبال تُكِنُّه، ولا بحر ولا بر يمكنه الفرار فيه .. الله أكبر ما أصعب موقف الإنسان ذلك اليوم! عَلِمَتْ