من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٥ - إنه لقول فصل وما هو بالهزل
[٢] ما هو الطارق؟ دع فكرك يجوب في آفاق الخليقة لعله يكتشف ما هو الطارق. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ هذه الكلمة تستثير عقل الإنسان، كما تبين له أهمية القضية. وقال بعض المفسرين: كلما ذكرت هذه الجملة في القرآن عرف موضوعها، مثل قوله سبحانه وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ٢- ٣]، بينما إذا استخدمت جملة (وما يدريك) فإن الموضوع يبقى مجهولا في النص.
[٣] ما هو الطارق إذا؟ إنه النجم العالي الذي يثقب ضوؤه الباهر جدار الظلام. النَّجْمُ الثَّاقِبُ قالوا: [الثاقب المضيء، ومنه شهاب ثاقب، والعرب تقول: اثقب نارك أي أضئها، والثقوب ما تشعل به النار من دقاق العيدان]. واختلفوا في تأويل هذه الكلمة .. والذي يبدو لي إن الطارق هي الأقدار التي تتواصل في الليل والنهار بخيرها وشرها، ولذلك نستعيذ بالله من طارق السوء حسب النص المأثور عن النبي صلى الله عليه واله
[وَمِنْ شَرِّ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ إِلَّا طَارِقاً يَطْرُقُنِي بِخَيْر يا رحمان]
[١]. وفي الدعاء
[بِكَ أَسْتَجِيرُ يَا ذَا الْعَفْوِ وَ الرِّضْوَانِ مِنَ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمِنْ غِيَرِ الزَّمَانِ وَتَوَاتُرِ الْأَحْزَانِ وَطَوَارِقِ الْحَدَثَانِ وَمِنِ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ قَبْلَ التَّأَهُّبِ وَالْعُدَّةِ]
[٢]. وحسب هذا الرأي فإن النجم الثاقب هو بيان لهذا الطارق الذي يشبه النجم الثاقب، كما قال سبحانه إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ [الصافات: ١٠]. و يكون القسم- إذا- بتلك الشهب التي يحفظ الله بها السماء من الشياطين الذين يسترقون السمع، ويكون السياق متناسبا مع الحديث عن حفظه سبحانه لأهل الأرض.
وقيل: [إن كل نجم يسمى طارقا باعتباره يطلع بالليل، وعليه فإن القسم بكل نجوم السماء أو النجوم اللامعة]، وقال البعض: [بل النجم هنا هو زحل، وقد روي ذلك عن الإمام الصادق عليه السلام] [٣]، وقال بعضهم: [بل هو الثريا]، وقال الآخر: [بل هو الزهرة]. وقد تتسع العبارات لكل تلك التطبيقات، ذلك لأن آية نتلوها في سورة الملك يظهر منها أن مصابيح السماء هي رجوم الشياطين أو مراكزهم لرجمهم، قال ربنا سبحانه وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]. فمن المحتمل أن تكون النجوم هي ذات الشهب الطارقة أو أنها مصادر للشهب. يبقى أن نقول: إن المراد من النجم يمكن أن يكون جنس النجم فيشمل سائر الأنجم وليس واحدا منها.
[٤] حينما ينظر الإنسان إلى متانة بناء السماء، وكيف جعلها الله سقفا محفوظا، وزرع في
[١] بحار الأنوار: ج ٨٣، ص ٣٠٢.
[٢] مفاتيح الجنان: دعاء يوم الأحد.
[٣] راجع: نور الثقلين: ج ٥، ص ٥٤٩، بحار الأنوار: ج ٥٥ ص ٨٢. جميع الأقوال في النجم.