من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٦ - وما أدراك ما ليلة القدر
ليلة جليلة القدر، قد أنزل الله فيها كتابا قديرا، ولأن الذي يحييها يكون عند الله ذا قدر عظيم.
[٢] من ذا الذي يستطيع أن يدرك أبعاد تلك الليلة التي باركها الله لخلقه بالوحي، وجعلها زمانا لتقدير شؤون العالمين، من ذا الذي يدرك عظمة الوحي، وجلال الملائكة، ومعاني السلام الإلهي. إنها ليست فوق الإدراك بصورة مطلقة، ولكنها فوق استيعاب الإنسان لجميع أبعادها، وعلى الإنسان ألا يتصور أنه قد بلغ علم ليلة القدر بمجرد معرفة بعض أبعادها، بل يسعى ويسعى حتى يبلغ المزيد من معانيها، وكلما تقدم في معرفتها كلما استطاع الحصول على مغانم أكبر منها وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ سبق القول من البعض: أن هذه الجملة وردت في القرآن لبيان أهمية الحقيقة التي تذكر بعدها. بينما تترك الحقيقة مجملة إذا ذكرت عبارة وما يدريك .. هكذا قالوا، وأعتقد أن كلتا الجملتين تفيدان تعظيم الحقيقة التي تذكر بعدها.
[٣] كيف نعرف أهمية الزمان؟ أليس عندما يختصر المسافة بيننا وبين أهدافنا، فإذا حصلت في يوم على مليون دينار، وكنت تحصل عليه خلال عام أليس هذا اليوم خير لك من عام كامل؟ كذلك ليلة القدر تهب للإنسان الذي يعرف قدرها ما يساوي عمرا مديدا: ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر، وبتعبير أبلغ: ألف شهر لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ أجل الواحد منا مسمى عند الله وقد يكون قصيرا، قد لا يبلغ الواحد منا معشار أهدافه فيه، فهل يمكن تحدي هذا الواقع؟ بلى، ولكن ليس بالصورة التي يتخيلها الكثير، حيث يتمنون تطويل عمرهم، وقليل هم الذين يحققون هذه الأمنية، لأن عوامل الموت عديدة وأكثرها خارج عن إرادة الإنسان، فما هو إذا السبيل إلى تمديد العمر؟. إنما يكون ذلك بتعميقه، ومدى الانتفاع بكل لحظة لحظة منه، تصور لو كنت تملك قطعة صغيرة من الأرض، ولا تستطيع توسيعها فكيف تصنع؟ إنك سوف تبني طوابق فيها بعضها تحت الأرض وبعضها يضرب في الفضاء وقد تناطح السحب، كذلك عاش بعض الناس سنين معدودات في الأرض ولكنهم صنعوا عبرها ما يعادل قرونا متطاولة. لنرَ مثلا عمر رسولنا الكريم صلى الله عليه واله لا يتجاوز الثلاث والستين، وأيام دعوته ثلاث وعشرون عاما منها، ولكنها أبعد أثرا من عمر نوح المديد، بل من سني الأنبياء جميعا وهكذا خص الله أمته بموهبة ليلة القدر، التي جعلها خيرا من ألف شهر، ليقدروا على تمديد أعمارهم في البعد الثالث (أي بعد العمق). ولعل الخبر المأثور عن رسول الله صلى الله عليه واله يشير إلى ذلك، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه واله [أُري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمر مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر] [١].
[١] القرطبي: ج ٢٠ ص ١٣٣، الدر المنثور: ج ٦ ص ٣٧١.