من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٩ - ويل للمطففين
تشهد، إلا أن الظاهر من الكتاب هو ما يسجل على الفرد من أقواله وأفعاله، وحتى نياته مما ذكره الله بقول مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: ١٨].
ثم يطوى هذا الكتاب، ويحفظ في خزانة محكمة هي سجين، فأين تقع هذه الخزانة؟ لقد حدد هذا النص التالي محلها: روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[إِنَّ المَلَكَ يَرْفَعُ العَمَلَ لِلْعَبْدِ يَرَى أَنَّ في يَدَيْهِ مِنْهُ سُرُوراً، حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى المِيْقَاتِ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ لَهُ، فَيَضَعُ العَمَلَ فِيْهِ فَيُنَادِيْهِ الجَبَّارُ مِنْ فَوْقِهِ: ارْمِ بِمَا مَعَكَ في سِجِّينَ، وَسِجِّيْنٌ الأَرَضُ السَّابِعَةُ، فَيَقُولُ المَلَكُ: مَا رَفَعْتُ إِلَيْكَ إِلَّا حَقًّا، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ، ارْمِ بِمَا مَعَكَ في سِجِّيْنٍ]
[١]. وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال
[السِّجِّيْنُ الأَرَضُ السَّابِعَةُ، وَعِلِّيُّونَ السَّمَاءُ السَّابِعَةُ] [٢].
وقال بعضهم: سجين: صخرة في الأرض السابعة، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه واله
[سِجِّيْنُ جُبٌّ في جَهَنَّمَ، وَهُوَ مَفْتُوحٌ]
[٣]، وقال عكرمة: [سجين خسار وضلال] [٤]، كقولهم لمن سقط قدره: قد زلق بالحضيض.
ويبدو لي أن أصلها السجن كما ذكرنا، وإنما سائر التفاسير تحديد لموقع السجن أو ملابساته، لذلك قال أبو عبيدة [٥]، وغيره في تفسير الآية: لفي حبس وضيق شديد، فعيل من السجن كما يقول: فسيق وشريب.
[٨] وهناك افتراض آخر: أن يكون سجين اسما لتلك السجلات التي تحفظ الكتب، وأن يكون معنى الكتاب هنا ما يكتب من أعمال، فيكون المعنى هكذا: إن أعمال الفجار مكتوبة في سجين وهو كتاب مرقوم، ويؤيد هذا المعنى السياق التالي وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ وهذه الكلمة تأتي للإيحاء بعظمة ذلك الكتاب- حسب هذا المعنى- بلى، الكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، الكتاب الذي يسجل حتى أنفاس الخلق ووساوس أفئدتهم، ونيات أفعالهم، الكتاب الذي يحيط بكل أفعال الفجار أنى كانوا، وأنى عملوا. إنه كتاب عظيم.
[٩] كِتَابٌ مَرْقُومٌ وهكذا تكون هذه الآية تفسيرا للآية السابقة: أي سجين كتاب مرقوم، كما قال ربنا سبحانه إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر: ١- ٣]، والمرقوم بمعنى متجلٍّ بوضوح، لأن أصل معنى
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٢٥.
[٢] نور الثقلين: ج ٥، ص ٥٣٠.
[٣] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢٥٨.
[٤] الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٢٥.
[٥] التبيان في تفسير القرآن: ج ١٠، ص ٢٩٨.