من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٧ - ويل للمطففين
أيضا بالظن. وقد استشهدوا بالحديث المأثور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال في تفسير هذه الآية
[أَيْ يُوْقِنُونَ أَنَّهُمْ مَبْعُوْثُوْنَ]
[١]. وكذلك بالنص المروي عنه أيضا حيث يقول عليه السلام
[وَالظَّنُّ ظَنَّانِ ظَنُّ شَكٍّ وَ ظَنُّ يَقِينٍ فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ مِنَ الظَّنِّ فَهُوَ ظَنُّ يَقِينٍ وَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا فَهُوَ ظَنُّ شَك]
[٢]. ولعل الإمام يشير إلى حقيقة بينها الإمام الرضا عليه السلام بصيغة أخرى، حين قال
[مَا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ يَقِيناً لَا شَكَّ فِيهِ أَشْبَهَ بِشَكٍّ لَا يَقِينَ فِيهِ مِنَ الْمَوْتِ] [٣].
ذلك أن كل الحقائق تشهد بأن الإنسان ميت ولكنه لا يتصوره، لماذا؟ لأن مثل هذا التصور يفرض عليه الحذر والاتقاء، وهو لا يريد ذلك فيبقى حائرا بين شواهد علمية تكشف له حقيقة الموت، وأهواء نفسية تحجب عنه هذه الحقيقة، تماما كمن مني بهزيمة في المعركة يظل لفترة مترددا بين قبولها وفقا للمعلومات الصادقة أو رفضها استرسالا مع هواه وغروره. ويبدو أن الإيمان بالآخرة هو الآخر يصطدم بأهواء النفس وشهواتها، فتتحول إلى ظن لا لقلة الشواهد عليها بل لصعوبة التصديق بها .. والله العالم.
وقد سبق أن قلنا وبتكرار أن معنى الظن- فيما يبدو- هو: التصور، وفسرنا الآية التالية بذلك حيث قال ربنا قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢٤٩] وقوله الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: ٤٦]. حيث إن تصور البعث وما يعقبه من القيام للحساب أمام رب العالمين يكفي الإنسان رادعا عن كل سيئة، وربما يوحي إلى ذلك قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في تفسير الإيمان حيث سئل عنه فقال
[الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ والْيَقِينِ والْعَدْلِ والْجِهَادِ، والصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ والشَّفَقِ والزُّهْدِ والتَّرَقُّبِ، فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ ومَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ] [٤].
[٥] ثلاث حقائق متصلة ببعضها لو تمثلت أمام عين العاصي لارتدع واتقى: البعث والساعة، والقيامة. إن حياة الإنسان سجل، يطوى اليوم ويكتب فيه بقلم الطبيعة ما يفعله، فإذا نشر نشر معه سجله بالكامل، فيا للفضيحة الكبرى يومئذ! ثم الساعة وأشراطها يوم تبدل الأرض غير الأرض، وتطوى السماوات كطي السجل للكتب، فإذا لم يعمل اليوم لبلوغ الأمان من أهوالها فيا للخسارة العظمى! أما قيام الناس أمام رب العالمين فإنه رهيب عظيم، لا يسع الفكر تصور تلك اللحظة التي يتمثل هذا المخلوق المتناهي في الضعف والمسكنة أمام
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠ ص ١١٤.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٦، ص ٢٦٧.
[٣] من لا يحضره الفقيه: ج ١، ص ١٩٤.
[٤] الكافي: ج ٢، ص ٥٠.