من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - ويل للمطففين
الرقم الكتابة الغليظة، وقيل: معناه مختوم، وقيل: مكتوب كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى، كل هذا التفسير قائم على أساس الافتراض بأن السجين اسم للكتاب المسجل، ويؤيده أن بعضهم قال: إن أصل سجين سجيل. أما في غير هذا الافتراض فيكون تفسير هذه الآية: إن الكتاب الذي هو في سجين كتاب مرقوم، لا تتشابه خطوطه؛ لأنه كتاب واضح، والله العالم.
وينبغي أن نختم حديثنا عن السجين بحديث يفيض عبرة ونصحا، مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى السجين والأعمال، والأشخاص الذين يهوون إليه، قال عليه السلام
[مَرَّ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عليه السلام عَلَى قَرْيَةٍ قَدْ مَاتَ أَهْلُهَا وطَيْرُهَا ودَوَابُّهَا فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَمُوتُوا إِلَّا بِسَخْطَةٍ ولَوْ مَاتُوا مُتَفَرِّقِينَ لَتَدَافَنُوا. فَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ: يَا رُوحَ الله وكَلِمَتَهُ ادْعُ الله أَنْ يُحْيِيَهُمْ لَنَا فَيُخْبِرُونَا مَا كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فَنَجْتَنِبَهَا، فَدَعَا عِيسَى عليه السلام رَبَّهُ، فَنُودِيَ مِنَ الْجَوِّ أَنْ نَادِهِمْ، فَقَامَ عِيسَى عليه السلام بِاللَّيْلِ عَلَى شَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَأَجَابَهُ مِنْهُمْ مُجِيبٌ: لَبَّيْكَ يَا رُوحَ الله وكَلِمَتَهُ.
فَقَالَ: وَيْحَكُمْ مَا كَانَتْ أَعْمَالُكُمْ؟ قَالَ: عِبَادَةُ الطَّاغُوتِ وحُبُّ الدُّنْيَا مَعَ خَوْفٍ قَلِيلٍ وأَمَلٍ بَعِيدٍ وغَفْلَةٍ فِي لَهْوٍ ولَعِبٍ، فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ حُبُّكُمْ لِلدُّنْيَا؟ قَالَ: كَحُبِّ الصَّبِيِّ لِأُمِّهِ، إِذَا أَقْبَلَتْ عَلَيْنَا فَرِحْنَا وسُرِرْنَا وإِذَا أَدْبَرَتْ عَنَّا بَكَيْنَا وحَزِنَّا، قَالَ: كَيْفَ كَانَتْ عِبَادَتُكُمْ لِلطَّاغُوتِ؟. قَالَ: الطَّاعَةُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي، قَالَ: كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ؟ قَالَ: بِتْنَا لَيْلَةً فِي عَافِيَةٍ وأَصْبَحْنَا فِي الْهَاوِيَةِ، فَقَالَ: ومَا الْهَاوِيَةُ؟ فَقَالَ: سِجِّينٌ، قَالَ: ومَا سِجِّينٌ؟ قَالَ: جِبَالٌ مِنْ جَمْرٍ تُوقَدُ عَلَيْنَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ] [١].
[١٠] يتلقى الجاهل الموقف الصعب بتكذيبه، ويزعم أنه لو دفن رأسه في التراب فإن الآخرين لا يرونه، كلا .. إن الشمس لا تتلاشى إذا أغلقت نافذة غرفتك عنها، كذلك حقيقة المسؤولية لا تنماث إذا أنكرتها، بل كلما جحد الجاهل المسؤولية بنبرة أقوى وصلافة أشد ازداد بعدا عن تحملها وقربا من العذاب، ذلك أن التكذيب جريمة، كما أنه علة لسائر الجرائم، وتبلو عاقبة التكذيب عند قيام الساعة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
[١١] هكذا القرآن يغلق أمام النفس أبواب التبرير لعلها تعي المسؤولية وتتحملها، وأعظم التبرير التكذيب، ولا سيما التكذيب بيوم الدين الذي يهدم أساس الفكر الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ لهؤلاء الويل واللعنة والثبور لمجرد تكذيبهم، فكيف بسائر الجرائم التي ارتكبوها؟!.
[١] الكافي: ج ٢، ص ٣١٨.