من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٣ - ويل للمطففين
كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ فَمَا تَرِدُ فِي أَبْدَانِنَا إِلَّا بِجَمِّ الْغَفِيرِ مِنَ الْعِلْم]
[١]. وقد عبر الإمام زين العابدين عليه السلام عن هذا اللقاء العاصف بالشوق والوله بين العبد والرب بقوله في مناجاته
[فَقَدِ انْقَطَعَتْ إِلَيْكَ هِمَّتِي وَ انْصَرَفَتْ نَحْوَكَ رَغْبَتِي، فَأَنْتَ لَا غَيْرُكَ مُرَادِي، وَلَكَ لَا لِسِوَاكَ سَهَرِي وَسُهَادِي، وَلِقَاؤُكَ قُرَّةُ عَيْنِي، وَوَصْلُكَ مُنَى نَفْسِي، وَإِلَيْكَ شَوْقِي، وَفِي مَحَبَّتِكَ وَلَهِي، وَإِلَى هَوَاكَ صَبَابَتِي، وَرِضَاكَ بُغْيَتِي، وَرُؤْيَتُكَ حَاجَتِي، وَجِوَارُكَ طَلِبَتِي، وَقُرْبُكَ غَايَةُ سُؤْلِي، وَفِي مُنَاجَاتِكَ أُنْسِي وَرَاحَتِي، وَعِنْدَكَ دَوَاءُ عِلَّتِي وَشِفَاءُ غُلَّتِي وَبَرْدُ لَوْعَتِي وَكَشْفُ كُرْبَتِي
.. إلى أن يقول
وَلَا تُبْعِدْنِي مِنْكَ يَا نَعِيمِي وَجَنَّتِي، وَيَا دُنْيَايَ وَآخِرَتِي، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ]
[٢]. وإذا كان لقاء الله أعظم نعم المؤمنين فإن حرمان الفجار منه يعد أعظم عذاب لهم، ولا يعرفون عمق هذه المأساة إلا في يوم القيامة، لذلك ترى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يجأر إلى ربه خشية فراقه ويقول
[فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وَسَيِّدِي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ، وَهَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِك] [٣].
[١٦] والعذاب الآخر تصلية النار، فلا حجاب بينهم وبينها، ولا ستر، أوليسوا لم يستروا أنفسهم منها في دار الدنيا، ولم يتقوا حرها ولهيبها؟! فهاهم اليوم يصلونها ويذوقون مسها مباشرة ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ. أما المؤمنون فقد تزودوا من الدنيا بزاد التقوى فسترهم عن النار في الآخرة كما استتروا بها عن الذنوب في الدنيا؛ لأنهم عرفوا أن الذنوب تصحبهم من هناك إلى هناك، حيث تتحول نيرانا لاهبة، وحيات وعقارب وظلمات وآلاما، فتحصنوا عنها بحصن التقوى.
[١٧] أما العذاب الثالث فهو الإذلال والتحقير والإهانة والتبكيت أوليسوا قد استهزؤوا بالرسالات، وقالوا: إن هي إلا أساطير الأولين، فاليوم يُشمت بهم حتى يذوقوا العذاب الروحي الذي كانوا يُذيقونه الدعاة إلى الله بتكذيبهم والاستهزاء بهم ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ.
[١] بحار الأنوار: ج ١٧، ص ١٥٢.
[٢] الصحيفة السجادية: مناجاة المريدين.
[٣] البلد الأمين: ص ١٩٠، من دعاء كميل لأمير المؤمنين عليه السلام.