من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٨ - ويل للمطففين
جبار السماوات والأرض، أولم تقرأ أن إسرافيل أعظم ملائكة الله يتضاءل أمام هيبة الرب حتى يصبح كالوصع (العصفور)- كما ذكر في سورة التكوير آية ٢٣-، فمن أنا غير هذا العبد المسكين المستكين الضعيف الحقير أمام رب العزة والعظمة؟!.
هكذا يذكرنا القرآن بهذه الحقائق، فبعد أن يقول أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ يذكرنا بالساعة فيقول لِيَوْمٍ عَظِيمٍ عظمت آثاره في السماوات والأرض حتى أشفقت منه، فلولا اتقاء أهواله بالعمل الصالح أنى نحصل فيه على أمان، والسماوات تنفطر والجبال تكون سرابا والأرض تزلزل زلزالها؟!.
[٦] وأعظم من كل تلك الأهوال قيام الناس أمام رب العالمين .. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ يكاد القلب البشري يتصدع حينما يحمله الله شيئا من نور عطفه وحنانه، فكيف يصمد هذا القلب أمام عقاب الله وزجره؟! جاء في الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله
[في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِيْنَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَبْلُغُ العَرَقُ كَعْبَيْهِ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ حِقْوَيْهِ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ صَدْرَهُ، وَمِنْهِمْ مَنْ يَبْلُغُ أُذُنَيْهِ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ يَغِيْبُ في رَشْحِهِ كَمَا يَغِيْبُ الضِّفْدَعُ]
[١]. بيد أن المؤمنين في أمان من أهوال القيامة، هكذا ورد في حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه واله
[إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنِ المُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونُ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ المَكْتُوبَةِ، يُصَلِّيْهَا في الدُّنْيَا] [٢].
وكلمة أخيرة: إن المؤمن ليقوم في الدنيا لله قياما يساعده في قيامه في الآخرة، أولم يأمره ربنا سبحانه بذلك حين قال وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ .. [البقرة: ٢٣٨] وقال أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ [سبأ: ٤٦].
[٧] ولكن هؤلاء المجرمين لا يظنون ذلك حتى يأتيهم بغتة، ولذلك فإن كتابهم محفوظ في سجين، حيث لا يمكن تغييره، وهو كتاب واضح لا لبس فيه ولا تزوير. كَلَّا يبدو أن معنى كَلَّا في الأصل النفي المؤكد، كأن تقول: أبدا لا، ولكن تعطي في مثل هذا السياق معنى الردع والزجر، كما توحي بتأكيد الحقائق التي ذكرت آنفا، وكأنه نفي للتكذيب بها، ومن هنا قال بعضهم: إن معنى كَلَّا هنا حقًّا، ونقل عن ابن عباس: أن معناه ألا تصدقون. إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ما هو سجين؟ يبدو أنه مبالغة في السجن، أي المحل الذي لا تناله أيدي السرقة أو التزوير. فما هو الكتاب؟ بالرغم من أن هناك كتبا كثيرة تسجل فيها أعمال العباد، الأرض تكتب، والسماوات تصور، وأشياء الطبيعة تحفظ آثار العمل، وحتى أعضاء الجسد
[١] تفسير القرطبي: ج ١٩، ص ٢٥٥.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٥٥.