من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٩ - قم الليل إلا قليلا
وكذلك لا يليق بمقامه صلى الله عليه واله ما روي في الدر المنثور من أنه تأثر بإعلام الجاهليين سلبيًّا فتزمل وتدثر في ثيابه! أما ما قيل من أن النبي صلى الله عليه واله كان يتزمل خوفا أو ذهب إلى خديجة قائلا
زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ... دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي]
أول ما اتصل بالله عبر أمينه جبرائيل حتى أنس به .. هذا الرأي الذي تبناه بعض المفسرين، فإنه أبعد ما يكون عن طبيعة الأنبياء عليهم السلام وشخصية سيدهم الأعظم صلى الله عليه واله. والسبب أن فيه شيئا من نسبة الشك في صحة الرسالة والاتصال بالله عنده صلى الله عليه واله، وهذا نقيض قول الله عنه «وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ» [التكوير: ٢٣- ٢٥].
والذي يبدو لي أن كلمة «الْمُزَّمِّلُ» تحتمل معنيين
الأول: ما أشار إليه عكرمة بأنه المُتَحَمِّل لأعباء النبوة، فإن المتصدي لأمر الرسالة ومسؤولية التغيير بها أحوج ما يكون إلى قيام الليل، يستمد منه روح الإيمان وإرادة الاستقامة على الصراط المليء بالمصاعب والتحديات. جاء في اللغة
زَمَلَ الشيءَ زَمْلًا: حمله، ازدمل الحمل: حملة بمرة واحدة، الزَّمْلُ: الحمل] [١].
الثاني: الذي لَفَّ عليه ثيابه أو غطاءه على وجه الوصف لحال النبي حين نزل الوحي عليه بهذه الآيات، وهو ظاهر اللفظ وفي الخطاب بهذه الكلمة فائدتان
ألف: تَلَطُّف وتَعَطُّف ودلالة على قرب الرسول من ربه حتى يخاطبه بمثل هذا التعبير الذي يجري بين الأحبة، كالتلطف في سؤال موسى عليه السلام «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى» [طه: ١٧].
باء: التوسع إلى كل من يتزمل للنوم، فإن الحديث يشمله انطلاقا من قاعدة: (إياك أعني واسمعي يا جارة) التي نزلت بها آيات الذكر الحكيم.
على أن المعنى الأول هو الآخر يتسع لكل من تحمل أعباء الدعوة إلى الله، وليس في هذا التعبير أدنى مساس بعظمة الرسول صلى الله عليه واله- كما زعم البعض- فإنه بشر مثلنا يحتاج إلى الراحة والنوم. ولعل
الرسول كان ينام أول الليل ليقوم في منتصفه وآخره، موصلا قيامه بالليل بصلاة الصبح كما نقل عنه، ويقوي هذا الاحتمال اللغة حيث جاء فيها
زمل الشيء بثوبه أو فيه: لفة] [٢].
[٢] وحيث ينتفض كل مزمل على نداء الوحي الإلهي المتوجه إليه يجد نفسه أمام أمر هام.
[١] المنجد: مادة زمل.
[٢] المنجد: مادة زمل.