من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٢ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
أن مرتكب الذنوب والفواحش قد جعل نفسه وقودا للنار لحظة اقتحامها، بالفعل. قال الزمخشري: القاسطون الكافرون الجائرون عن طريق الحق، ونقل طريفة عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أن الحجاج قال حين أراد قتله: ما تقول فيَّ؟ قال: قاسط عادل، فقال القوم: ما أحسن ما قال! حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل، فقال الحجاج: يا جهلة! إنه سماني ظالما مشركا، وتلا قوله تعالى «وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ» وقوله تعالى «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» [الأنعام: ١] [١].
وجرى جدل بين المفسرين في عذاب الجن، فقد أجمعوا على إمكان تعذيب القاسطين من الإنس بجعلهم حطبا لجهنم، ولكنهم اختلفوا في كيفية تعذب الجن بالنار وهم من جنسها، فقال بعضهم كالفخر الرازي
إنهم وإن خلقوا من النار لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية وصاروا لحما ودما هكذا]
[٢]، ومن أطرف ما قرأته في هذا الشأن
أن بهلول أتى إلى المسجد يوما وأحد الخطباء يقرر للناس علومه، فقال في جملة كلامه: إن جعفر بن محمد (يعني الإمام الصادق عليه السلام) تكلم في مسائل ما يعجبني كلامه فيها
الأولى
: يقول: إن الله سبحانه موجود ولكنه لا يُرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، وهل يكون موجود ولا يُرى؟ ما هذا إلا تناقض!.
الثانية
: إنه يقول: إن الشيطان يُعذَّب في النار مع أن الشيطان خُلِق من النار، فكيف يعذب الشيء بما خلق منه؟!.
الثالثة
: إنه يقول: إن أفعال العباد مستندة إليهم، مع أن الآيات دالة على أنه تعالى فاعل كل شيء!.
فلما سمعه البهلول أخذ مدرة وضرب بها رأسه وشجه، وصار الدم يسيل على وجهه ولحيته، فبادر إلى الخليفة يشكو من بهلولًا، فلما أحضروا بهلولًا وسئل عن السبب قال للخليفة: إن هذا الرجل غَلَّط جعفر بن محمد عليهما السلام في ثلاث مسائل
الأولى
: أنه يزعم أن الأفعال كلها لا فاعل لها إلا الله، فهذه الشجة من الله تعالى وما تقصيري؟!.
الثانية
: أنه يقول: كل شيء موجود لا بد أن يُرى، فهذا الوجع في رأسه موجود مع أنه
[١] الكشاف: ج ٤، ص ٦٢٨.
[٢] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١٦٠.