من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٧ - تبارك الذي بيده الملك
بيد أوليائه الذين يجرون حدوده وأحكامه، فهو لا يقدم على السرقة ولا الزنا لأن الحاكم سوف يقطع يده ويجلده أو يرجمه بالحجارة، وتارة يستجيب لله لمعرفته وإيمانه بالآخرة، وأنه تعالى يعذب العصاة بالنار، فإذا بذلك العامل الغيبي الذي لا يراه ببصره ولكنه يعاينه ببصيرته يعكس الخوف من الله في كل كيانه.
ومن المعارف التي تبعث في النفس روح الخشية من الله هي معرفة الإنسان برقابته المطلقة تعالى على كل شيء وعلمه به، لا فرق بالنسبة إليه بين السر والجهر، لأن هذه المعرفة تجعل من الغيب حاضرا في وعي البشر وسلوكه. «وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوْ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ» أي مطلع على النوايا الباطنية التي تنطوي عليها نفوس الناس، وتصدر عنها الأقوال والأفعال في مرحلة متأخرة عن تكونها. وهذا المستوى من المعرفة إذا سمى إليه الإنسان فإنه ليس لا يقترف الذنب في المجتمع ولا بعيدا عن أعين الناس وحسب، بل لا ينجِّس صدره بنية سوء أبدا، لأنها هي الأخرى يعلمها الله. وهذه أكبر ضمانة للالتزام بالنظام، وقد أثبتت الإحصاءات أن ثمانين بالمئة من حوادث الإجرام التي تقع في العالم ناشئة من اعتقاد المجرم بأنه قادر على الإفلات من الرقابة والجزاء، لأن الحاكم مهما بلغ فهو بشر مثله محدود القدرات اطلاعا ومجازاة، ولكن هل يصدق ذلك بالنسبة إلى الله سبحانه؟ كلا .. والقرآن ينسف أدنى تصور بهذا الاتجاه إذ يقول متسائلا «أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ» الذي ينفذ علمه إلى أدق الأشياء وأخفاها، «الْخَبِيرُ» العالم علما شاملا وكاملا بخلقه، وإذا كان الخبير من البشر يعلم بدقائق ما يصنعه من الأجهزة فكيف بالخالق المطلق العلم؟! إذن فلا تحاول أيها الإنسان أن تخادع نفسك، ولا تسمع لنداء الشيطان الذي يحاول تغريرك والإيحاء لك بأنك بعيد عن الأنظار فتمارس الخطيئة.
وهناك رواية في معنى «الْخَبِيرُ» مأثورة عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
وأَمَّا الْخَبِيرُ فَالَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولَا يَفُوتُهُ، لَيْسَ لِلتَّجْرِبَةِ ولَا لِلِاعْتِبَارِ بِالْأَشْيَاءِ فَعِنْدَ التَّجْرِبَةِ والِاعْتِبَارِ عِلْمَانِ ولَوْلَا هُمَا مَا عُلِمَ لِأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ كَانَ جَاهِلًا
(قليل العلم ومحدود المعرفة)
والله لَمْ يَزَلْ خَبِيراً بِمَا يَخْلُقُ، والْخَبِيرُ مِنَ النَّاسِ الْمُسْتَخْبِرُ عَنْ جَهْلٍ الْمُتَعَلِّمُ، فَقَدْ جَمَعْنَا الاسْمَ واخْتَلَفَ الْمَعْنَى]
[١] فنقول: إن الله خبير كما نقول: إن فلانا من الناس خبير، فالتسمية واحدة، ولكن معنى خبرة الله يختلف عن معنى خبرة الناس.
[١] الكافي: ج ١، ص ١٢٢.