من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٦ - ويل يومئذ للمكذبين
موقف الشاهد لذلك المستقبل بزمانه، ولكنه حاضر بحقائقه وشواهده ومواقفه ولحظاته الحرجة، لعلها ترجع عن غيها وضلالها «هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ» وللجمع هنا معنيان
الأول: هو البعث بجمع الأوصال والعظام وجمعها مع الروح ليكون بشرًا سويًّا بعد الموت، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى في آيات عديدة منها قوله في سورة القيامة «أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ» [القيامة: ٣]. وإنما ذكر الأولين لأن المشركين عادة ما كانوا يستبعدون البعث، وبالذات بعث أولئك الأولين الذين اضمحلت أبدانهم وتبددت أوصالهم.
الثاني: أن يكون الجمع بالمعنى الظاهر للكلمة، فإن الناس (أولين وآخرين) يجمعون في عرصة القيامة للفصل بينهم وفي مصائرهم. وإنما ذكر الأولين والآخرين من المكذبين تمهيدا لتحديهم في الآية اللاحقة، إذ لا يريد الله أن يتحدى بعض المكذبين وحسب بل كلهم مجموعين إلى بعضهم عددا وعدة.
«فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ» تدعون الغلبة به وتعتمدون عليه «فَكِيدُونِ»، وهذا رد على ما أجمعوا عليه وتوارثوه من الخبرة في الكيد ضد الحق (قيما وقيادة وحزبا) في الحياة الدنيا. وما عسى أن يبلغ كيد هذا الإنسان الضعيف والجاهل حتى يبارز ربه عز وجل؟! ولكن يتكبر ويأخذه الغرور فيلقي بنفسه في مهلكة المكايدة مع الله، فالويل للمكذبين مما يصيرون إليه نتيجة حربهم لله الملك الجبار المتكبر «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ»، وهل ثمة ويل أعظم من كيد الله العظيم بأحد؟! كلا .. فهو حق بكل ما تتسع له الكلمة من معنى. وهكذا يُسَفِّه السياق القرآني الظن الذي يبعثهم نحو التكذيب وهو أنهم قادرون على مقاومة جزاء أعمالهم بكيدهم وما يستخدمونه
من خطط وأساليب. أما المتقون الذين آمنوا بالله، وصدقوا رسالاته، واتبعوا رسله وأولياءه، فمصيرهم إلى رضوانه وجزائه الحسن.
«إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ» وليس الظلال كالظل «ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ» [المرسلات: ٣٠- ٣١]، بل هو ظلال رضوان الله الذي يلقى فيه المتقون غاية الأمن والسعادة، حيث اللذة ببرد لطف الله ورحمته، وحيث التمتع بنعيم الجنة كالمناظر البديعة للعيون التي تستريح العين لرؤية مائها المتفجر.
«وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ» بكل ما تنطوي عليه كلمة الاشتهاء من معنى، ففي الجنة يطلق الله بفضله ومشيئته عنان الشهوة لأولئك الذين عقلوها بعقال أحكام الله وحدوده، فالمتقون هناك يجدون ما يحبونه من الفواكه في كل مكان وزمان، إذ تسقط معادلة الفصول والمواسم، كما