من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١٦ - إنما نطعمكم لوجه الله
ثم يشير القرآن إلى صفة أخرى في الأكواب التي يطاف بها على المؤمنين فيقول «قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً» قال ابن عباس
أتوا بها على قدرهم، لا يفضلون شيئا، ولا يشتهون شيئا بعدها]
، وعن مجاهد
إنها ليست بالملأى التي تفيض، ولا ناقصة بقدر]
، وقال ابن عباس
قَدَّرتها السُّقاة]
[١]، وقيل
قدروها في أنفسهم قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا، والضمير في قدروها للشاربين]
[٢]. والذي يبدو لي أن المراد من الآية هنا أن الأكواب التي يطاف بها مقدرة ومحكمة من كل جوانبها، في شكلها وحجمها وشرابها وعددها وكل شيء. قال الزمخشري
فإن قلت ما معنى كانت في قوله
«كَانَتْ قَوَارِيرَ»؟
قلت: هو من (يكون) في قوله
«كُنْ فَيَكُونُ» أي تكونت قوارير بتكوين الله، تفخيما لتلك الخلقة عجيبة الشأن، الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين] [٣].
«وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا» والزنجبيل يُعطي ما يُمزَج إليه نكهة طيبة، كما إنه بذاته فيه فوائد كثيرة، قال في التبيان
الزنجبيل ضرب من القرفة، طيِّب الطعام، يلذع اللسان، يُربَى بالعسل، يُستَدْفَع به المضار، إذا مزج به الشراب فاق في الإلذاذ، والعرب تستطيب الزنجبيل جدًّا]
[٤]. وربنا يقول «عَيْناً فِيهَا» قيل «فِيهَا» عائدة إلى الكأس، وقيل: يعني في الجنة. «تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا» قال في المجمع
والسلسبيل الشراب السهل اللذيذ، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل، قال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن، وقال الزجاج: هو صفة لما كان في غاية السلاسة]
[٥]، وفي الكشاف
يعني أنها في طعم الزنجبيل، وليس فيها فيه لذعة، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة] [٦].
«* وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ» قيل: يعني مُلَبَّسون الخَلَدَة وهي ضرب من القرط من الذهب أو الفضة، ويبدو لي أن «مُخَلَّدُونَ» بمعنى أنهم يبقون على نضارة الغلام دائما لا يتداركهم شباب ولا هرم، وإنما يبقيهم الله كذلك لأن خدمة الصغار على هذا السن ألذ لأهل الجنة من خدمة غيرهم، والولدان في تطواف دائم
يترقبون أمر المؤمنين لهم، على استعداد تام لخدمتهم، بل إن مجرد تطوافهم أمامهم يبعث فيهم البهجة والسرور، لما يمثله الولدان من نعمة الخدمة، ولمنظرهم الأنيق والجميل. «إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنثُوراً» قال العلامة الطبرسي
إنما
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٠١.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٣.
[٣] الكشاف: ج ٤، ص ٦٧١.
[٤] التبيان: ج ١٠، ص ٢١٤.
[٥] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٣.
[٦] الكشاف: ج ٤، ص ٦٧٢.