من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤ - إنما أموالكم وأولادكم فتنة
بالله أكثر من مجرد الاعتقاد. إنه منهجية حياة شاملة، والمؤمن عند المصيبة يتذكر أن الله حكيم لا يفعل شيئا إلا لسبب فيبحث عن ذلك السبب، ويتذكر أن الإنسان بأعماله هو السبب الرئيسي لكل ما يجري عليه، تسليما لقوله تعالى «وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ» [الشورى: ٣٠] ثم يسعى للتغيير إيمانا بقوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» [الرعد: ١١]، ويستعين بالله بكل ما يستطيع من دعاء وصدقة، لإيمانه بأنه على كل شيء قدير، وأنه يمحو ما يشاء ويثبت، ولأنه قال «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر: ٦٠]، فالمصيبة إذن تتحول عند المؤمن إلى عمل بمناهج الله، وبالتالي الوصول إلى الحل، وذلك من مصاديق الهداية.
«وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» و هذه الخاتمة تبني روح التسليم لقضاء الله عند كل مؤمن، حيث تؤكد له أن إذن الله وتدبيره متأسس على علمه، فهو لحكمة يعرفها، ولأسباب أحاط بها. ونجد في الآية التفاتة لطيفة تتصل بنظرية الجبر التي عالجها كثير من المفسرين عند هذه الآية، فقد زعم البعض أن الإنسان ليس له اختيار في الحياة ما دام الله هو الذي يقدر شؤونها- كالمصائب- ويجريها كيف يشاء! ولكن القرآن يحل هذه الإشكالية باختصار وبأسلوب بليغ حيث يؤكد دور الإنسان في صنع واقعه ومصيره بالقول «وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَه». إذن فالهداية التي هي من عند الله لا تحصل إلا بعد إيمان الإنسان نفسه بالله، وعلى هذه السنة تمضي الحياة بخيرها وشرها، بأفراحها وأحزانها، كما أننا نستطيع أن نفسر كل الحوادث بهذه البصيرة.
وسؤال أخير في الآية: لماذا قال ربنا «يَهْدِ قَلْبَه» ولم يقل: يهديه، كما في كثير من الآيات الأخرى؟ والجواب
أولًا: لبيان أن صلاح الإنسان وفساده (هدايته وضلاله) كل ذلك متصل بما ينطوي عليه قلبه من الأفكار والمعتقدات، وبالتالي فإن التغيير الحقيقي والجذري يتم بتغيير القلب.
ثانياً: لبيان شمولية الهداية فهداية الله لقلب المؤمن تجعله خالصا من كل انحراف وضلالة، فإن القلوب قد تكون مزيجا من الحق والباطل إلا قلب المؤمن حيث يصفو للحق دون الباطل وللهدى دون الضلال، أي أن الإيمان صنو لهداية القلب حيث يقوده إلى سائر الحقائق، ويبصِّره في جميع أبعاده وجوانب الحياة، وكلما زاد إيمان أحد زاد هدى قلبه.
[١٢] وأعظم مصيبة تصيب البشر هي التخلف في الدنيا ودخول النار والتعرض لسخط الله في الآخرة، ولكي يتجنبها الإنسان يجب أن يطيع الله، ويتبع القيادة الشرعية، ويعمل