من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٣ - وتعيها أذن واعية
الكلمة تعبر عن المعنيين في أن واحد، ونهتدي منها أن الجزاء الإلهي حكيم للغاية، فهو من جنس العمل وبحجمه.
«وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ» أي ريح باردة وذات صوت، جاء في اللغة: الصرصر من الرياح: الشديدة الهبوب أو البرد، وصرصر الرجل: صاح شديدا، وسُمِّي الصرصور بذلك لأنه يصيح صياحا رقيقا في الليل.
وأما العاتية ففيها أقوال
الأول: أنها التي خرجت عن أمر الملائكة الموكلين بالريح (الخزنة) بأن أوحى الله لها مباشرة أن تهلكهم بلا واسطة.
الثاني: أنها التي لا قِبَل لأحد بمواجهتها ومقاومتها، فهي تعتو على كل أحد وكل وسيلة، قال الزمخشري
شديدة العصف والعتو، أو عتت على عاد فما قدروا على ردها بحيلة، من استتار ببناء، أو التجاء بجبل، أو اختفاء في حفرة]
[١]. والمعنى الأصيل: أنها التي بلغت من الشدة ما تجاوزت به القوانين والمقاييس الطبيعية، وبكيفية لا يمكن للبشر تصورها، لأن أصل العتو هو الخروج عن الحد، قال تعالى «وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ» [الطلاق: ٨]، وقال «فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ» [الذاريات: ٤٤]، وإنما جعل الله الريح عاتية على عاد لكي يعكس عتوهم عن أمره عز وجل، فإنه لو أراد أحد تصوره في عالم التكوين فسيجده تماما كالريح الصرصر حينما تتجاوز الحد المتعارف، بل هي أعظم من ذلك لأن رياح الشهوات العاتية في الحقيقة هي التي دمرتهم، ولم تكن الريح الظاهرة إلا تجسيدا وعاقبة لها.
«سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» فهي لم تأتهم صدفة بسبب نحس أو تغير كوني خارج عن الحساب والسنن، إنما جاءت الريح بإرادة إلهية سخرتها، وكذلك ينظر المؤمنون إلى الأحداث ويحللونها، أما غيرهم فإنهم لا تفيدهم عبرة، لأنهم يفسرونها بالصدفة أو بتغيرات مبتورة تعكس جهلهم أو تجاهلهم، ولا يفكرون بعقولهم التي لو استثاروها لهدتهم إلى يد التدبير التي تهيمن على الخليقة! قال الفخر الرازي
وذلك لأن من الناس من قال: إن تلك الرياح إنما اشتدت لأن اتصالا فلكيًّا نجوميًّا اقتضى ذلك، فقوله
«سَخَّرَهَا»
فيه إشارة إلى نفي ذلك المذهب، وبيان أن ذلك إنما حصل بتقدير الله وقدرته،
فإنه لولا هذه الدقيقة لما حصل التخويف والتحذير عن العقاب]
[٢]، والكلمة نفسها تنفي الوهم بأن العاتية هي التي
[١] الكشاف: ج ٤، ص ٥٩٩.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٠٤.