من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٧ - تبارك الذي بيده الملك
الآية لحكمة أخرى هي أن قدرة الله تتجلى بالموت حيث لا يجد أحد سبيلا لتحديه ولا مفرا من سطوته. كذلك جاء في الدعاء المأثور
وَقَهَرَ عِبَادَهُ بِالمَوْتِ وَالفَنَاءِ] [١].
ويضع الله الإنسان أمام سنة الموت الحتمية، وفرصة الحياة، ويذكِّره في الوقت نفسه بالهدف الذي خُلق هو كما خُلقا من أجله، ألا وهو الابتلاء لاستخراج معدن كل فرد واستظهار خبايا شخصيته، ومع أن الموت من مفردات الابتلاء إلا أن الابتلاء أكثر وأعظم تجليًّا بالحياة .. بل لا يكون إلا أثناء الحياة، ولذلك تأخر ذكر الحياة عن الموت لتكون هذه الكلمة لصيقة بكلمة الابتلاء «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» إذن يجب على الإنسان وهو يعيش فرصة الحياة ألَّا يضل عن هذا الهدف الكبير، بل يقاوم كل عوامل الانحراف والغفلة عنه، ويسخر كل قدراته المعنوية والمادية للفلاح والفوز فيه، بأن يجعل عمره مزرعة لأحسن العمل. فما هو أحسن العمل؟ إنه ما أخلص فيه الإنسان النية، وأتقن الأداء، وتحدى به هوى نفسه وأهواء القوى الشيطانية في مجتمعه، وكان العمل نفسه من أشرف الطاعات وأعظمها ثوابا عند الله، هكذا روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال في تفسير الآية
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا وَأَوْرَعُ عَنْ مَحَارِمِ الله وَأَسْرَعُ فِي طَاعَةِ الله
، وقال صلى الله عليه واله
أَتَمُّكُمْ عَقْلًا وَأَشَدُّكُمْ لِلَّهِ خَوْفاً وَأَحْسَنُكُمْ فِيمَا أَمَرَ الله بِهِ وَنَهَى عَنْهُ نَظَراً]
[٢]، وقال الإمام الصادق عليه السلام
لَيْسَ يَعْنِي أَكْثَرُكُمْ عَمَلًا وَلَكِنْ أَصْوَبُكُمْ عَمَلًا، وَإِنَّمَا الْإِصَابَةُ خَشْيَةُ الله وَالنِّيَّةُ الصَّادِقَة]
[٣]. وقوله «لِيَبْلُوَكُمْ» لا يعني أنه تعالى لا يعلم بخلقه، بل ليتحقق ذلك العلم في عالم التكوين ويطلع الناس أنفسهم على معادنهم، ويعقلون جزاء الله أنه
بعدل لا بظلم، قال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام
إِنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ لِيَبْلُوَهُمْ بِتَكْلِيفِ طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِامْتِحَانِ وَالتَّجْرِبَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ عَلِيماً بِكُلِّ شَيْءٍ] [٤].
ولعل أظهر تأويل لهذه الآية هم الأنبياء والرسل وأئمة الهدى من أهل بيت الرسول، حيث إنهم جميعا كانوا الأحسن عملا بين خلق الله، فهم- على هذا- أبرز الحكم الإلهية للخلق. أليس قد أظهرت البلايا أنهم القمم المضيئة، والذرى المتسامية؟ وأن الله ما اختارهم ولا اصطفاهم إلا بعلم وحكمة، وما جعلهم سادات البشر وأمراء الصالحين من عباده إلا لأنهم السابقون في طاعة الله.
وقد قدر بعضهم في الآية كلمة فقالوا: الأصل هو «ليبلوكم فينظر أيكم]»، ولا أرى لهذا الافتراض مبررا في كتاب الله، فالآية أعمق بلاغة بوضعها مما لو أضفنا إليها شيئا، لأننا نفهم
[١] بحار الأنوار: ج ٨٤، ص ٣٣٩. من دعاء الصباح لأمير المؤمنين عليه السلام.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٢٣٢.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ١٦.
[٤] بحار الأنوار: ج ٤، ص ٨٠.