من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٨ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
«قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً» وهذه الآية رمز لتحدي الرساليين لكل عامل واحد يضغط باتجاه المداهنة في قيمة التوحيد أو التنازل عنها. أوليست الاستجابة للضغوط لونا من ألوان الشرك؟!
[٢١- ٢٢] وتمتاز الدعوة الإلهية من غيرها بأنها تثير في الإنسان كوامنه، وتدفعه إلى السعي لا التمنيات، كما يفعل الكهنة ودعاة الأديان والمذاهب البشرية، الذين يوزعون صكوك الجنة والأمان المزعومة على الناس إزاء المال! كلا .. إن أولياء الله يصارحون الناس بأننا لسنا بدائل عنكم، ولا يغني إيماننا عن سعيكم .. حتى لا يتخذهم الناس أربابا من دونه تعالى، ولا شفعاء بالطريقة الموجودة في نظرية الفداء عند بعض النصارى.
«قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً» وهذه قمة التجرد لله وتوحيده، ودليل إخلاص المساجد له من قِبَل الرسول صلى الله عليه واله. والآية تحريض على التوجه لله وحده لأنه الذي يملك الضر والرشد، كما أن فيها تحريضا على الاعتماد على مواهب الله للنفس البشرية والسعي الذاتي بوصفها منهجيةً سليمة وجزءًا من الطريقة.
وتلاحظ في السورة تكرر كلمة الرشد أربع مرات في الآيات: (٢، ١٠، ١٤، ٢١) واستخدامها محل النفع الذي يقابل الشر والضر، ولعل السبب يكمن في معالجة السياق لمشكلة الضلال والانحراف التي تسببها المزاعم والفلسفات البشرية الباطلة حول الجن وغيرهم، فأراد تعالى التأكيد على دور الوحي في الهداية والرشد، بل التأكيد على الرشد بذاته في مقابل علاج مشكلة الضلال.
والرسول ليس لا يملك للآخرين ضرا ولا رشدا، بل لا يملك حتى لنفسه شيئا من ذلك، إنما الله وحده منه النفع والضر والإجارة، فخطأ إذن أن يعوذ أحد بغيره جِنًّا أو إنسًا أو سواهما. «قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً» و هذه العقيدة من أهم دواعي التسليم له عز وجل وتوحيده، وبها يقاوم المؤمنون عوامل الهزيمة والخوف حيث التوكل على رب العزة والاستجارة به من سواه، لا كما يفعل السفهاء فيستعيذون بالأنداد والشركاء من تقدير الله وأمره وعذابه! والمُلتحَد الملجأ الصغير بقدر اللحد، وإن من يجيره الله فلا خوف عليه، وإن من يريده عز وجل بسوء فلن يجد ملجأ ولا بمقدار اللحد يفر إليه منه وقد وسعت قدرته كل شيء.
(٢٣- ٢٨) ويبين النبي صلى الله عليه واله كُنْهَ دوره ومهمته في الحياة، فهو لم يأت ليعطي الناس صكوك الأمان، ولا ليكون شريكا لله في ملكوته، إنما جاء عبدا لله ورسولا من الله يبلغ