من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٠ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
من قال ذلك، إلا إشارة عند الرازي إذ قال
من أنكر المعاد بناء على الشهوة فهو الذي حكاه الله تعالى بقوله
«بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ»
، ومعناه: أن الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسترسال في الشهوات، والاستكثار من اللذات، لا يكاد يقر بالحشر والنشر، وبعث الأموات، لئلا تتنغص عليه اللذات الجسمانية، فيكون أبدا منكرا لذلك]
[١]. والضمير في «أَمَامَهُ» إما أن يعود إلى يوم القيامة، أو إلى الله عز وجل، حيث إن الفاجر يمارس فجوره في حضور وشهادة الله، أو يكون عائدا على الإنسان نفسه باعتباره يفجر أمام ضميره وبشهادة من جوارحه التي تُدلي بشهادتها عليه عند الحساب. والأصح أن الضمير يرجع إلى الإنسان، لأن الحديث حوله وسائر الضمائر ترجع إليه، ولعل هذا جعل ذلك مستساغا إذ يقال عادة: أمام نفسه.
«يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ» لأن الكفر بالقيامة هو الذي يُبَرِّر له التحلل من المسؤولية، فهو في سعي حثيث وجدل دائم من أجل إنكارها، وصناعة قناعة ولو داهية لنفسه وللآخرين بذلك، فسؤاله ليس سؤال استهزاء وسخرية فقط، بل هو سؤال تبرير وجدل أيضا. وإنها لصفة كل من يترك العمل بالحق ويخالف القيم، إذ لا بد من تبرير لموقفه، فكيف إذا كان فجورا؟ ولصيغة السؤال هذه استبعاد وتسويف بالتوبة، قال الزَّجَّاج: ويجوز أنه يريد أن يُسَوِّف التوبة، وَيُقَدِّم الأعمال السيئة، وقيل: معناه أنه يتعجل المعصية ثم يُسَوِّف التوبة، ويقول: أعمل ثم أتوب] [٢].
[١٣- ٧] ويبقى المكذب بالآخرة مسترسلا مع أهوائه وشهواته، في فجور بعد فجور، لأنه لا يحسب حسابا للقاء ربه، ووقائع القيامة التي تطبع آثارها المذهلة والرهيبة عليه وعلى الطبيعة من حوله، فهنالك لا يجد مفرًّا من حكومة الله وجزائه، لأن الوضع يختلف في الآخرة عن الدنيا، حيث تنتهي فرصة الامتحان والحرية. «فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ» قال في التبيان
يقال برق البرق إذا لمع، وأما برق بالكسر فمعناه تَحَيَّر، وقال الزجاج: بَرَقَ إذا فزع، وبَرِقَ إذا حار]
[٣]، وفي المجمع للعلامة الطبرسي: قال أبو عبيدة
بَرِقَ البصر: إذا
شق وانشد]
، وقال قدس سره
أي شَخَصَ البصر عند معاينة ملك الموت، فلا يطرف من شدة الفزع، وقيل: إذا فزع وتحيَّر من شدة أهوال القيامة]
[٤]، وقال الرازي بعد أن نقل رأي الزجاج: والأصل فيه أن يُكثِر الإنسان من النظر إلى لمعان البرق، فيؤثر ذلك في ناظره، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة، وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق] [٥]. وما أختاره أن بروق البصر يحمل معنى الحيرة والدهشة لحالة الذهول
[١] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٣١٩.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٠٢.
[٣] التبيان: ج ١٠، ص ١٩٢.
[٤] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٠٢.
[٥] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٣١٩.