من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٢ - الإطار العام دور القيامة في تعميق الإيمان
ويداوي ربنا هذا المرض المستعصي في النفس البشرية بالتأكيد للإنسان أنه وإن استطاع مؤقتا (في الدنيا) تبرير ضلاله والفرار من المسؤولية تحت غطائه فإنه لن يجد في المستقبل مفرًّا من ربه حينما تقوم القيامة «فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ» وعبر قنطرة الدنيا الفانية إلى دار الاستقرار عند الله، فهنالك يجد نفسه وجها إلى وجه مع حقيقة أمره حيث يجد ما عمل محضرا أمامه (الآيات: ١٣- ٧).
ويثير الوحي فينا حس النقد الذاتي، عن طريق تذكيرنا بحقيقة وجدانية مُسَلَّمة، ألا وهي بصيرة الإنسان على نفسه، فإنه قبل الآخرين شاهد عليها وعالم بواقعها، مهما توسَّل بالأعذار والتبريرات الواهية، وإنما يؤكد القرآن هذه الحقيقة لأن المراقبة الذاتية أعظم أثرا، وأرسخ للتقوى في شخصية الفرد (الآيات: ١٥- ١٤).
ثم ينعطف السياق إلى الحديث عن القرآن نفسه، داعيا الرسول إلى عدم التعجل به من قبل أن يُقضى إليه وَحْيُه، مؤكدا تكفله تعالى بجمعه وقرآنه ثم بيانه للناس .. وهذا مما جعل المفسرين يتحيرون في فهم العلاقة بين سياق السورة وبين هذا المقطع، إلا أن هناك علاقة متينة سنتعرض لإيضاحها في البينات (الآيات: ١٩- ١٦).
وتهدينا الآيات إلى واحد من عوامل الانحراف وعدم تحمل المسؤولية عند الإنسان، والذي لو استطاع التغلب عليه لاهتدى إلى الحق، وسقط الحجاب بينه وبين الآخرة، ألا وهو حب العاجلة (الدنيا) على حساب الآخرة، والبحث عن النتائج الآنية وإنكار الجزاء الآجل ولو كان الأفضل، بل ولو كان مصيريًّا بالنسبة إليه، فهو يعيش لحظته الراهنة دون التفكير في المستقبل، وهي نظرة ضيقة خطيرة. وحين يفشل الإنسان في الموازنة بين الحاضر والمستقبل، وبين الدنيا والآخرة فإنه يخسرهما معا (الآيات: ٢١- ٢٠).
والحل الناجع لهذه المعضلة عند البشر يتم بإعادة التوازن بينهما إلى نفسه، ولأن العاجلة شهود يعايشه بوعيه وحواسه فإن حاجته الملحة إلى رفع الغيب إلى مستوى الشهود عنده، ولذلك يضعنا القرآن أمام مشاهد حية من غيب الآخرة حيث الناس فريقان: فريق السعداء الذين تُجَلِّل وجوههم النضارة، ويصلون إلى غاية السعادة بالنظر إلى ربهم عز وجل، وفريق البؤساء الخاسرين أصحاب الوجوه الباسرة، الذين ينتظرون بأنفسهم العذاب والذلة (الآيات: ٢٥- ٢٢).
ويمضي بنا السياق شوطا آخر يحدثنا فيه عن لحظات الموت الرهيبة حيث تبلغ النفس التراقي فيعالج الإنسان سكرات الموت حيث يلف ساقا بساق، ويقبض كَفًّا ويبسط أخرى.