من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٨ - تبارك الذي بيده الملك
منها أنه تعالى يصنع الصالحين في رحم الابتلاء، بل إن خلق الإنسان يكون ناقصا لو لم يأت إلى الدنيا ويُبتلى فيها. وهكذا تكون الآية مظهرا من مظاهر اسم «تَبَارَكَ» حيث تظهر بركة الله بأجلى صورها وشواهدها في الصفوة من عباده المؤمنين الصالحين، الذين يتجاوزون في سبيله كل الجاذبيات السلبية والعقبات الكأداء، ويسمون بأنفسهم إلى آفاق الفضيلة ببركة الإيمان به عز وجل وبنعمة العقل التي وهبها لهم، ولذلك جاء في الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه واله في قوله «أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» ثم قال
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَقْلًا] [١].
ولأن الإنسان يفلح تارة ويخطئ أخرى وهو يواجه الابتلاءات، أو يتعنت أحيانا على الحق، جاءت خاتمة الآية لتسوقه نحو أهدافه في مسيرة العمل بمعادلة متوازنة كفتها الأولى الخوف وكفتها الأخرى رجاء رحمة الله وغفرانه، وذلك من خلال تعريفه باسمين لربه من أهم ما ينبغي له التعرف إليهما .. فلا يسترسل مع الرجاء المفرط، ولا يصير فريسة للقنوط. «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ» يأخذ بعزته العاصين المذنبين، ويغفر لمن يتوب، فمن أحسن العمل غفر له، ومن أساء عذبه. ثم إننا نهتدي من هذه الخاتمة أن للابتلاء هدفا آخر غير استظهار معدن الناس، وهو الجزاء.
(٣- ٤) ثم تأخذ الآيات بأبصارنا وبصائرنا إلى بديع خلقه الكائنات، فإننا إذا أمعنا النظر فيها وألقينا نظرة إلى السماء التي تمتد مدى أبعد من أدق النواظير وأعظمها التي اخترعها الإنسان بما لا يقدر بشر على تخيله .. وأعظم من حجم السماوات ذلك النظام المتناهي في الدقة الذي يحكمها على ما فيها من المنظومات والمجرات الهائلة، فسنقرأ في الآفاق أسماء ربنا الجليل. إن التفكر في خلق الله يوقف الإنسان أمام
حقيقة بديعة هي متانة الحق والتدبير في كل مفردات الكون وأجزائه، والنظرة السليمة التي ينبغي أن نسلكها ليست التي تقف بنا عند ظواهر الأشياء، بل التي تحملنا من الظاهر المشهود إلى الباطن المحجوب، ومن معرفة المخلوق إلى معرفة الخالق الذي أنشأه وأبدع له النظام الذي يسير عليه.
«الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً» قالوا: يعني بعضها فوق بعض، كما قال الله «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» [الانشقاق: ١٩] ويبدو أن التطابق هنا بمعنى الدقة في التكامل والتناسق، من باب المطابقة والموافقة ضد التناقض والتنافر، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على دقة النظام الحاكم في الكون ومدى قدرة خالقه وعظمته، فإنك مهما بحثت وأجهدت نفسك فلن تجد ثغرة ولا عيبا في خلق الله «مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ» أي ثغرات وتناقضات، فإن التفاوت بمعنى الاختلاف، والاختلاف يعني التناقض، قال تعالى «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» [النساء: ٨٢] وقد ذكر اسم «الرَّحْمَن»
[١] بحار الأنوار: ج ٦٧، ص ٢٣٣.