من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٣٠ - إن الكافرون إلا في غرور
بالجهل إنما العيب الكبير أن يقول ما لا يعلم. فهذا سيد البشر صلى الله عليه واله على عظمته يجيب وقد سئل عن الساعة التي لا يعلم ميعادها «إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ» و (إنما) للحصر، فليس من أحد يعلم بميقات وعد الله غيره، ولا يكتفي القرآن بهذه الإجابة بل يضع الكافرين أمام آثاره المريعة عندما يحين أجله فتُساء وجوههم، ويعلمون إلى حد اليقين حقًّا بالآخرة وصدق الرسول، ويشهدون وقوعه الرهيب، يوم لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
«فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً» أي وقد اقترب منه الموت، أو عندما تظهر للناس علامات الساعة وآياتها كزلزلة الأرض، هنالك يكتشفون فظاعة خطئهم، فيتحسرون ويندمون على ما فرطوا في جنب الله في أنفسهم، ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد إنما تعلوهم آثار الهوان والعذاب حتى تظهر على وجوههم التي طالما صدوا بها عن الحق «سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا» أي أساءها شيء أو أحد كالملائكة الذين هم خزنة جهنم، ولا ريب في أن تلك الآثار التي تظهر على وجوههم يومئذ وتسوؤهم هي بأعمالهم السيئة وعقائدهم الخاطئة. قال أهل اللغة: ساء الأمر فلانا أي أحزنه، أو فعل به ما يكرهه [١]، وكذلك يُصنع بالكافرين.
«وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ» ولكلمة «تَدَّعُونَ» في هذه الآية معنيان
الأول: الادعاء بمعنى الزعم والتكذيب، أي تتحدثون بشأنه مما لم يكن في قلوبكم، قال ابن عباس: أي تدعون الأباطيل به، ولا ريب في أن الكافرين حينما كانوا يستعجلون وعد الله ما كان هدفهم البحث عن الحقيقة بل كان مجرد الإنكار والجدال، ولعل في الآية إشارة إلى حقيقة واقعية وهي أن كثيرا من عقائد الكفار ومواقفهم الضالة وهكذا أعمالهم السيئة كانت متأسسة على جحود الآخرة (وعد الله)، فكأن إنكارها وسيلة مزاعمهم وادعاءاتهم.
الثاني: الادعاء بمعنى المبالغة في الدعاء، حيث يقال لهم من قبل الله: إن هذه الساعة هي الوعد الذي كنتم تكفرون به، وتطالبون مستعجلين وقوعه. مما يكشف عن مدى جحودهم واستبعادهم للساعة.
وهذا القيل وأمثاله عذاب نفسي إلى جانب العذاب المادي، وقد يكون أشد أثرا منه، لما ينطوي عليه من الاستهزاء والتبكيت وإثارة الحسرة في نفوسهم.
[٢٨] وبعد حديث الآخرة يأمر الله رسوله أن يبين للكافرين خاصة وللناس عامة مجموعة من البصائر ذات الأثر المهم في إيمان الإنسان وواقعه في الحياة «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِي اللَّهُ وَمَنْ مَعِي أَوْ رَحِمَنَا» وللهلاك في القرآن معنيان
[١] المنجد: مادة ساء.