من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٠٦ - تبارك الذي بيده الملك
له محدودة بقدر ما منحهم الله، فمتى شاء زاده أو نقص منه أو سلبه وحوَّله إلى غيرهم. و هذه الآية تفتح آفاقنا على وجود أوسع من الأرقام الفرضية التي يقدرها العلماء والفلكيون، بل أوسع مما للإنسان من مقدرة على تخيله مهما ذهب بعيدا، وأنى له تصور ملك الله وهو بيد قادرة على كل شيء وتمده بالبركة بعد البركة؟!.
«وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وكفى دلالة على أن الملك بيده تعالى وأنه صاحب القدرة المطلقة أن ينظر الإنسان إلى الوجود من حوله وما فيه من آيات القدرة والعظمة، وكيف أنه مسيَّر وفق نظام دقيق وضعه الله له لا يخرج عنه، ولا ترى فيه ثغرة أو نقصا أو فطورا. ولقد وردت رواية عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في بيان جوانب من معاني أسماء الله الحسنى نذكر بعضها للفائدة
وَلَمَّا تَسَمَّى بِالْمَلِكِ أَرَادَ تَصْحِيحَ مَعْنَى الِاسْمِ لِمُقْتَضَى الْحِكْمَةِ، فَخَلَقَ الْخَلْقَ وَأَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ لِيَتَحَقَّقَ حَقِيقَةُ الِاسْمِ وَمَعْنَى الْمَلِكِ
(ويظهر من هذه الكلمات أن الشرائع من مظاهر اسم الملك الإلهي).
وَالْمُلْكُ لَهُ وُجُوهٌ أَرْبَعَةٌ: الْقُدْرَةُ
(على التصرف في الملك بمطلق التصرف)،
وَالْهَيْبَةُ
(وهي انعكاس لقدرة المالك على المملوك)،
وَالسَّطْوَةُ
(بأخذ المملوكين بالقوة والبطش حين المخالفة. فسبحان من لا يعتدي على أهل مملكته بسطوته)،
وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ
(تشريعيًّا وتكوينيًّا)] [١].
[٢] ومن أظهر آيات ملك الله، وأظهر آيات قدرته: الموت والحياة، وقد اختلف في معناهما هنا إلى رأيين: أحدهما: أنهما ظاهرتا الموت والحياة اللتان تطبعان آثارهما على كل شيء، سواء الماديتين كموت الإنسان وحياة الأرض بالزرع، أو المعنويتين كالهدى والصلاح في مقابل الضلال والفساد، والآخر: أنهما إشارة إلى تقسيم الكائنات إلى أشياء جامدة وذات حياة.
«الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ» وقد أشار الإمام الباقر عليه السلام إلى المعنيين فقال
الْحَيَاةُ والْمَوْتُ خَلْقَانِ مِنْ خَلْقِ الله فَإِذَا جَاءَ الْمَوْتُ فَدَخَلَ فِي الْإِنْسَانِ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ إِلَّا وقَدْ خَرَجَتْ مِنْهُ الْحَيَاةُ]
[٢]. والذي يظهر لي أن الموت هنا بمعنى انفصال الحياة من كائن حي كما تفيد الرواية، وبما أن معرفة الحياة بصورة أجلى تتحقق بمعرفة الموت فإنه قدَّم الموت على الحياة، ولا أعتقد أن ما قاله بعض المفسرين والفلاسفة من أن الموت سابق للحياة صحيح، لأن الإنسان قبل خلقه ووجوده لا يقال له ميت، وكيف يقال للعدم ميت؟! من هنا جاء في الحديث المروي عن الإمام الباقر عليه السلام: ...
وخَلَقَ الْحَيَاةَ قَبْلَ الْمَوْتِ. ..]
[٣]. وقد يكون تقديم الموت على الحياة في
[١] بحار الأنوار: ج ٩٠، ص ٤١- ٤٢.
[٢] الكافي: ج ٣، ص ٢٥٩.
[٣] الكافي: ج ٨، ص ١٤٥.