من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤١ - ويل يومئذ للمكذبين
أشهر أو ما دونها أو ما فوقها]
«١»، وقال القمي
منتهى الأجل]
«٢». وحين يحل الأجل فإن الأم لا تستطيع أن توقف التحويل النفسي والبيولوجي الذي يحدث في كيانها وتوقف حركة الجنين باتجاه الخروج، كما لا يملك الجنين نفسه من أمره شيئا، بل هي الإرادة الإلهية وحدها تصنع ما تشاء. وتتسع كلمة القدر إلى معانٍ عدة نجملها في اثنين
الأول: المقدار والحد، فيكون المعنى أن الجنين من الناحية النفسية والعضوية وهكذا الزمنية محدد بمقادير ومقاييس إلهية حكيمة يعلمها عز وجل.
الثاني: القدر والمصير، فقد جعل الماء في قرار مكين لكي ينتهي إلى قدر إلهي يعلمه تعالى، فقد يكون قدره أن يصبح ذكرا أو أنثى أو بينهما، أو يخرج تاما أو معيبا، أو حَيًّا أو ميتا، ثم إذا خرج إلى الحياة الدنيا فإنه يتحرك وفق أقدار يعلمها الله، وإلى مصير محدد، ربما يكون السعادة والجنة، وربما يكون الشقاء والنار، أو يكون الفقر والصحة، أو الغنى والمرض.
ولا تعني الآية أن كل إنسان يأتي إلى الحياة الدنيا ليعيش ضمن أقدار محددة يجبر عليها من كل الجهات، بل هي تكشف عن علم الله المطلق بما يؤول إليه من خير أو شر. وقوله «فَجَعَلْنَاهُ» يفيد التحديد من جهة، والإطلاق من جهة ثانية، فأما التحديد فإن مسيرة الإنسان في وضعها الطبيعي والنسبي محكومة بمعطيات وأقدار محددة يمكن لنا معرفتها عبر العلم والتجربة، كميعاد الولادة وما أشبه ..، وأما الإطلاق فإن العلم اليقين بكل شيء وبالذات بعض الأمور فهو لله وحده يقدره ويعلمه، بحيث لا يستطيع بشر تحديده ومعرفته.
«فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ» قال ابن جرير
فملكنا فنعم المالكون، وعن الضحاك قال: فخلقنا فنعم المالكون) «٣»
، وفي التبيان
معناه فَقَدَرنا من القدرة فنعم القادرون على تدبيره) «٤»
، وفي مجمع البيان
أي قَدَّرنا خلقه كيف يكون قصيرا أو طويلا، ذكرا أم أنثى، فنعم المقدرون نحن، ويجوز أن يكون المعنى إذا خُفِّف (لأن المفسرين قرؤوها بالتخفيف والتثقيل) من القدرة، أي قَدَرنا على جميع ذلك فنعم القادرون
على تدبير ذلك، وعلى ما لا يقدر عليه أحد إلا نحن، فحذف المخصوص بالمدح) «٥»
، وهذا ما احتمله العلامة الطباطبائي في الميزان وقال
من القدرة مقابل العجز، والمراد فقدرنا على جميع ذلك) «٦»
.______________________________
(١) الكشاف: ج ٤، ص ٦٧٩.
(٢) تفسير القمي: ج ٢، ص ٤٠٠.
(٣) الدر المنثور: ج ٦، ص ٣٠٦.
(٤) التبيان: ج ١٠، ص ٢٢٨.
(٥) مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٣١.
(٦) تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ١٥٣.