من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٤ - ولربك فاصبر
حال قدَّر ما قدَّر من الكلام، كما يقال
لأضربنه كيف صنع، أي على أي حال كان عليه] [١].
بلى؛ إن الناقد المنصف لا يستطيع إلا التسليم بصدق الرسول، وأن الرسالة حق، ولكن الوليد وأمثاله من المترفين وأعداء الحق لم يكونوا كذلك، بل سعوا إلى الانتقاد عبر منهجية خاطئة تتركز على العزة بالإثم، والمواقف العدائية السابقة، وهذه من المؤثرات السلبية على نتيجة أي بحث وتفكير، ولعل السبب يعود إلى حالتهم الاجتماعية إذ هم من المستكبرين الذين يبنون كيانهم على أساس الظلم واستثمار المحرومين وقهر المستضعفين، فأنى لهم القبول بقيادة ربانية تفتخر بأنها من الفقراء، وتسعى من أجل إسعاد المحرومين، وتحرير المستضعفين من نير المترفين.
«ثُمَّ نَظَرَ» والأقرب أن النظر هنا بمعنى إعمال الفكر والبصر، فإن الطغاة المستكبرين حينما يريدون تضليل الناس عن الحق يفكرون ويقدرون أولا ثم ينظرون مفتشين عن ثغرات وأساليب لبث أفكارهم وتقديراتهم ونشرها بين الناس، فوسائل الإعلام المضللة من إذاعات وتلفزة وصحافة وحتى وسائل التثقيف والتربية التي تروِّج ثقافة الباطل، وتبث الإشاعات ضد المؤمنين والقيادات الرسالية .. إنها لا تتحدث اعتباطا، بل هناك وراء القناع خبراء إعلاميون ونفسيون وسياسيون .. يخططون للتضليل، وهذه سمة للأنظمة الفاسدة .. فإلى جانب فرعون كان هامان وجنود كثيرون متخصصون في كل جانب من الجوانب، ومن قصة قريش وأبي جهل مع الوليد يتضح أنه من قياداتهم وعقولهم المدبرة، وهناك إشارات إلى هذا التفسير وجدتُها لدى بعض المفسرين ففي البصائر
أي نظر في وجوه قومه]
[٢]، وفي الميزان
أي ثم نظر بعد التفكير والتقدير نظر من يريد أن يقضي في أمر سئل أن ينظر فيه] [٣].
وبعد أن اختمرت الفكرة الشيطانية في رأسه بدأ حركته نحو الإنتاج والإخراج كي تكون أمضى أثرا في نفوس الآخرين، فإذا بكل ملامحه مشحونة بأمارات الحقد والغيظ على الرسالة والرسول صلى الله عليه واله. «ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ» وهذه المظاهر الخارجية وأخرى غيرها ملامح لحالات نفسية من الحقد والعناد يعكسها القرآن بأسلوبه التصويري البديع، وإنها لطبيعة في الإنسان أن تبدو على مظهره علامات مخبره بحيث يقول علماء النفس أنك تستطيع قراءة داخل الإنسان بمظاهره. وفي الحديث الشريف قال أمير المؤمنين عليه السلام
مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئاً إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وصَفَحَاتِ وَجْهِهِ][٤].
[١] مجمع البيان: ج ١٠ ص ٤٩٢.
[٢] تفسير البصائر: ج ٥٠، ص ٣٦٢.
[٣] تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ٨٧.
[٤] بحار الأنوار: ج ٧٢، ص ٢٠٤.