من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٨ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
شيئا، وما أدل على ذلك من اعترافهم أنفسهم بهذه الحقيقة.
«وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً» إنهم بهتوا بالإرهاصات والتحولات الكونية التي رافقت بعث خاتم الأنبياء، كامتلاء السماء حرسا وشهبا، وعجزهم عن استراق السمع بعدئذ، فلم يستوعبوا الأمر، وتخبطوا في تفسير تلك الظواهر هل هي شر لسكان الأرض كأن تكون من أشراط الساعة أم خيرا أراده الله؟!، وهذا يؤكد قصورهم عن علم الغيب، وجهلهم بتفسير الظواهر الكونية المتجددة كما يجهلون كثيرا من تلك الظواهر، فلا ينبغي التعويل عليهم في تفسير شيء من الظواهر كالمرض والفقر والهزيمة وما أشبه مثلما هو شأن بعض المستعيذين بهم.
ولا ريب في أن بعث الرسول صلى الله عليه واله خير عظيم لمن في الأرض، حيث ينقذهم برسالته وقيادته من ظلام الباطل والضلال والجهل، إلى نور الحق والهدى والعلم، وهكذا مَنعُ الشياطين من الاستراق نعمة عظيمة لهم حيث يزول السبب الذي تتشاكل به حقائق الوحي وتتشابه مع أباطيل الجن. قال ابن جريح: قالوا
لا ندري لم بُعِثَ هذا النبي، لأن يؤمنوا به ويتبعوه فيرشدوا، أو لأن يكفروا به ويكذبوه فيهلكوا كما هلك من قبلهم من الأمم؟]
[١]، وقيل معناه
إن هذا المنع لا يدرى ألعَذابٍ سينزل بأهل الأرض أم لنبي يبعث ويهدي إلى الرشد، فإن مثل هذا لا يكون إلا لأحد هذين الأمرين]
[٢]. قال العلامة الطباطبائي
وقد صرحوا بالفاعل لإرادة الرشد وحذفوه في جانب الشر أدبا، ولا يُراد شرٌ من جانبه تعالى إلا لمن استحقه]
[٣]. ولقد قال الله «رَشَداً» ولم يقل (خيرا) في مقابل الشر إشارة للرسالة التي تُعطي الهدى، ولأن الرشد سبب كل خير وسنامه، بل هو المصداق الأعظم للخير.
[١١- ١٢] وينسف ربنا نظرة التقديس المطلق للجن ببيان اختلافهم، وأن فيهم من لا يستحق الاحترام لتخلفه عن الصلاح وتورطه في الفساد العريض «وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ» أقل مرتبة. وكلمة «دُونَ ذَلِكَ» تتسع لدرجات مختلفة يلي بعضها بعضا في التسافل حتى آخر درك من الانحراف والضلال، ويعلوا بعضها فوق بعض حتى درجة الصلاح. ثم يضيفون «كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً» أي مذاهب وجماعات مختلفة متفرقة، من قَدَّ الثوب يَقُدُّه إذا شقَّه وقطعه، ففرَّقه خرقا بعد أن كان قطعة واحدة. ومن الآية نهتدي إلى أن الاختلاف في مدى الصلاح بين الجن أفرادا وجماعات راجع إلى اختلاف مذاهبهم، وأنهم كالبشر مختلفون في
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٧٣.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٦٨.
[٣] تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ٤٤.