من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٦ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
وهو خشيته من أن تحول الظروف دون أن يُجمع القرآن ويُقرأ على الناس وتَبَيُّن معانيه لهم. أو كان شديد الاهتمام بهداية الناس بالقرآن حتى كاد يهلك نفسه، حتى قال ربنا سبحانه «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً» [الكهف: ٦]. ويبدو أن الذين أخطؤوا فهم الآية قادهم إلى ذلك التصوير الفني في تعبير القرآن «لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ»، والذي هو أسلوب شائع في آياته الكريمة.
«إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ» أي جمع آياته فلا يضيع شيء منها، والكلمة تتسع إلى معنى التأليف والنظم مما يهدينا إلى أنه تعالى حفظ القرآن عن التحريف بزيادة أو نقيصة، وتكفَّل هو بتأليف آياته سورا سورا، فليس ترتيبه على هذه الطريقة التي بين أيدينا من فعل المسلمين، بل من فعل رسول الله صلى الله عليه واله بأمر الله عز وجل، الذي تكفَّل إضافة إلى ذلك بقراءته للناس بالكيفية الصحيحة التي يريدها هو أن يقرأ بها كتابه.
ولعل في ذلك إشارة إلى بطلان نظرية القراءات السبع، وإلى أنها من عند القراء أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان. بلى؛ هناك قراءة صحيحة علَّمها الله لنبيه فعلمها بدوره المسلمين، وهي الشائعة بين المسلمين. وقول الله تعالى «إِنَّ عَلَيْنَا» لا يعني أنه بذاته يجمعه ويقرأه، كلا .. بل إنه سبحانه قد هَيَّأ الأشخاص الذين يقومون بهذا الدور والظروف التي تساعد على تحقق هذه الغاية، فلم يَتَوفَّ نبيه صلى الله عليه واله حتى بَلَّغَ كامل رسالته وقرأها للناس، بل وكُتِبَتْ بأمره مُبَيِّنًا ترتيب السور والآيات. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الإمام علي عليه السلام كان أول من كتب كامل القرآن وجمعه في حياة الرسول صلى الله عليه واله وبعده، وهذا من أهم الأدوار الحضارية التي قام بها عليه السلام، لأن اندثار القيم الحضارية لأية أمة يعني نهاية الأمة، فقد تنحرف مسيرتها ومسيرة قيادتها لفترة من الزمن فتبقى القيم ضمانة العودة، أما لو خُرِقت القيم نفسها فلا ضمانة لعودتها .. وهذا ما يجعل تعهد الله بجمع القرآن وبقرآنه وبيانه ضرورة
حكيمة تقتضيها حكمته البالغة باعتبار الإسلام دين الإنسان إلى يوم القيامة، لا يجوز له أن يبتغي غيره، فكيف يسمح ربنا اللطيف أن تضيع على البشرية فرصة الهداية بتحريف القرآن؟.
«فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ» قال في المجمع
أي قرأه جبرائيل عليك بأمرنا
«فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ»
أي قراءته، والمعنى: اقرأه إذا فرغ جبرائيل عن قراءته، وقيل: أي فاعمل بما فيه من الأحكام والحلال والحرام]
[١]، وفي النصوص أن القرآن أُنزل جملة واحدة على الرسول في ليلة القدر في شهر رمضان، فكان يأمره الله حسب حكمته بقراءته على الناس في المناسبات المختلفة. وكانت الحكمة الإلهية تفرض على الرسول التحرك في المجتمع على ضوء ما يُقضى إليه من الآيات
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٠٤.