من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
الزنا والسحاق، لقوله تعالى «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا» [الإسراء: ٣٢]، وفي ذلك جاء الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال في تفسير الآية
إِلَّا أَنْ تَزْنِيَ فَتُخْرَجَ ويُقَامَ عَلَيْهَا الْحَد]
[١] .. ولكن الفاحشة المبينة تعم حتى سائر الذنوب الكبيرة، وبالذات تلك التي تؤثر في العلاقات الزوجية، كما جاء في عدة نصوص منها المروي عن الإمام الباقر عليه السلام في تفسير الآية
إنَّهَا الإِيْذَاءُ]
[٢]، ومنها المأثور عن الإمام الرضا عليه السلام قال
الْفَاحِشَةُ أَنْ تُؤْذِيَ أَهْلَ زَوْجِهَا وتَسُبَّهُمْ] [٣].
«وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ» و ما دامت حدود الله فهي مفروضة وواجب مراعاتها بالسير على هداها والخريطة التي ترسمها، لما فيها من صلاح للفرد وللأسرة والمجتمع، ولا يجوز للإنسان أن يصطنع لنفسه حدودا غيرها ويتبعها باللف والدوران، أو بادعاء أن القضية شخصية، كلا ... إنما التشريع لله وحده. «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» لأنه لا تبقى سعادة ولا قيمة في العلاقات الزوجية التي لا تحكمها الضوابط، ولأن المجتمع الذي لا يحترم النظام يحطم بعضه بعضا ويسوده الظلم والتبادل، ولكن أجلى صورة لظلم الإنسان نفسه بتعدي حدود الله العذاب الذي يلقاه في الآخرة جزاء انتهاكه حرمة أحكام الله وشرائعه.
ويبين الله الحكمة الأساسية التي جُعلت من أجلها العدة، ووجب بقاء المرأة في بيت زوجها أثناءها، وهي رجاء تغير المواقف وعودة العلاقة إلى حالها الطبيعي حيث الوئام والمحبة، فلا يصح إذن أن يحكم الإنسان في لحظة غضب وانتقام وردَّة فعل حكم يأس على علاقته مع شريكة حياته بأنها لا تصلح أبدا، فإن الأمور بيد الله يبدل فيها كيف يشاء، فربما عطف القلوب على بعضها، وألَّفها بعد الفرقة برحمته «لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً»، ولعلنا نهتدي هنا إلى فكرة تشريعية هامة هي: أن تشريع الطلاق من قبل الله عز وجل ينبغي ألَّا يتنكر له البشر، أو يلغوه من قائمة القوانين الاجتماعية، لأنه إذا يُرى في موارده الموضوعية وضمن الحدود الإلهية فإنه يعود على المجتمع بالنفع، فإذا بتلك الروابط الضعيفة تصير متينة جدًّا، وتنتهي المشاجرات وأسباب الخلاف، ويزداد الحب بين الطرفين فلا يفكرا إلا في المزيد من
التلاحم بعد أن ذاقا طعم الفراق بينهما، وبعبارة: يحدث تحول إيجابي في الروابط الزوجية والأسرية بسببه. ومعرفة الإنسان أنه مكره على قبول زوجته لا يبعث فيه التطلع إلى تطوير علاقته معها وتنمية حبه لها بل يجعلها وكأنها شر لا بد منها.
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٢٢٠.
[٢] تفسير نور الثقلين: ج ٢، ص ٣٥١.
[٣] الكافي: ج ٦، ص ٩٧.