من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩١ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
الثاني: لا يخاف أن يُبْخَس، بل يقطع بأنه يُجْزَي الجزاء الأوفى، ولا يخاف أن ترهقه ذلة، من قوله
«تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ»] [١]، وأصل البخس القلة، قال تعالى «وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ» [يوسف: ٢٠]، وإنما قيل كذلك لأن مادفعوه ثمنا ليوسف أقل من ثمنه حتى في السوق لو كان عبدا يباع. وسمي البخس بخسا لأنه في حقيقته الأخذ من مال الناس بما هو تقليل لحقوقهم الواقعية [٢]. وما تنفيه هذه السورة (البخس والرهق) بالنسبة للمؤمنين بالله على عكس ما أثبتته الآية السادسة في شأن المستعيذين بالجن من الإنس.
[١٤- ١٥] ويعود النفر المؤمنون من الجن للتأكيد بما يشبه الآية الحادية عشر على أنهم مختلفون «وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ» والمسلم هو الذي يُسْلِمُ نفسه بكل كيانها للحق، فيكيفها معه معنويًّا وعمليًّا، وأما القاسط فهو الظالم الذي يضم قسط الآخرين إلى نفسه بغير حق، على خلاف المقسط الذي يُعطي حق الآخرين، وإنما قابل القرآن كلمة المسلم بالقاسط مع أنها تقابل الكافر عادة لأن من أظهر معاني الإسلام هو العدل، ولأن التسليم للحق هو العامل الرئيسي في تجسيد قيمة العدالة في الواقع، ولأن المطلوب من الإسلام ليس مجرد التسليم اللفظي بل كبح جماح النفس الأمَّارة السوء.
«فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً» قال الراغب
حرى الشيء يحرى، أي قصد حراه، أي جَانَبَهُ وتحرَّاه]
[٣]، وفي تفسير البصائر تحرى تحرِّيًا
طلب ما هو أحرى بالاستعمال في غالب الظن، وطلب أحرى الأمرين وأولاهما، وتحرى الأمر توخاه وقصده، والتحري هو الاجتهاد في تعرف ما هو أولى وحق، وفي الحديث
تَحَرَّوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِر]
أي تعمدوا طلبها فيها]
[٤]. وعلى هذا التفسير
للكلمة يكون المعنى أن من اختار الإسلام وسَلَّم له فقد قصدوا الرشد والهدى، وهذا مُسْلِم به لأنه حينئذ سيهديه الله بنور الوحي وآيات الرسالة، مما يُكمل عقله وعلمه فيجعله راشدا. والآية تأكيد على أن الإسلام ليس مجرد تسليم النفس للحق، بل هو إضافة إلى ذلك وعي الحق بعد البحث عنه طلبا للرشد.
«وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً» ومن هنا نهتدي إلى أن أظهر معاني (تحري الرشد) طلب النجاة من النار ومن غضب الله، بمعرفة طريق الهدى بالنفس والعقل، وكذلك بتجنب الذنوب والخطايا والقيام بالصالحات، وذلك ما لم يفعله القاسطون مما أدى بهم إلى العذاب. ولا يقول القرآن أنهم سيكونون حطبا لجهنم، بل قال «فَكَانُوا» بصيغة الماضي، والسبب
[١] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠ ص ١٥٩.
[٢] لقد مر بيان لمعنى الإرهاق عند الآية [٤٣] من سورة القلم فراجع.
[٣] مفردات غريب القرآن: مادة حري، ص ١١٥.
[٤] تفسير البصائر: ج ٤٩، ص ٣٢١- ٣٢٠.