من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٩ - وإنه لحق اليقين
عَمَلَيْنِ عَمَلٍ تَذْهَبُ لَذَّتُهُ وتَبْقَى تَبِعَتُهُ، وعَمَلٍ تَذْهَبُ مَؤُنَتُهُ ويَبْقَى أَجْرُهُ]
[١]، وذلك هو الفرق بين أصحاب النار وأصحاب الجنة.
[٢٥- ٢٧] ويمضي السياق قدما في تصوير جزاء الكفار الذين يعطون كتبهم بشمالهم دلالة على الشؤم وسوء المصير، وذلك لتتوازن معادلة الخوف والرجاء في ذهن الإنسان ويسمو بنفسه في آفاق القرب من الله، يدفعه الرجاء للمزيد من العمل الصالح، ويردعه الخوف عن محارم الله واقتراف السيئات. «وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ» الذي اختطه وألَّف ما فيه بنفسه «بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ»، وتعكس هذه الآية مدى الفارق بين الاثنين: الأول: الذي يكاد يطير فرحا بكتابه، ويدعو الآخرين لقراءته حتى يشاركوه السرور، والآخر الذي ليس فقط لا يدعو الآخرين لقراءة كتابه، بل يتعذب هو خجلا وحسرة مما فيه، إلى حد يتمنى لو ذهب به إلى العذاب دون أن يقرأ كتابه.
قال الفخر الرازي: واعلم أنه لما نظر في كتابه يذكر قبائح أفعاله خجل منها، وصار العذاب الحاصل من تلك الخجالة أزيد من عذاب النار، فقال: يا ليتهم عذبوني بالنار وما عرضوا هذا الكتاب الذي ذكَّرني قبائح أفعالي، حتى لا أدفع هذه الخجالة، وهذا ينبهك إلى أن العذاب الروحاني أشد من العذاب الجسماني] [٢]، وإلى مثل هذا ذهب أكثر المفسرين. ثم يضيف القرآن بلسان حال أصحاب الشمال قائلا «وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ» مما يدل على وجود ثلاثة أنواع من العذاب: عذاب الفضيحة بين الناس والذي يحل بأصحاب الجحيم فور إعطائهم كتبهم بشمالهم مما يعرِّفهم لأهل المحشر بأنهم من الخاسرين المعذبين، والعذاب النفسي (بالخجل والندم) الذي يحل بالنظر في صحائفهم المسودة بالقبائح والسيئات التي اكتتبوها لأنفسهم، والعذاب الذي يتلقونه عند ورودهم النار، ولذلك فإنهم يتمنون لو أن موتتهم الدنيوية كانت النهاية، فلا بعث ولا حساب ولا جزاء بعدها.
«يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ» و القاضية التي ينتهي بها كل شيء. وحينما تدقق النظر في الآيات قد تهتدي إلى حقيقة لطيفة وذلك من تكرار صيغة التمني على لسان أصحاب النار (الآيات: ٢٥- ٢٧) وهي: أن من أهم أسباب الخسران هو التمني الذي يعتمد عليه الكافر بدلا عن العمل والسعي، والذي لا يغير في الواقع شيئا، لا في الدنيا ولا في الآخرة .. وأنه قادر على النجاة من سوء العاقبة والجزاء والانتقال من
أصحاب الشمال إلى أصحاب اليمين ولكن عبر السعي والعمل، وليس بالتمنيات الخادعة التي يلوكها بلسانه حتى في عرصة القيامة.
[١] نهج البلاغة: حكمة: ١٢١.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١١٣.