من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢١ - إنما نطعمكم لوجه الله
وقيل «بُكْرَةً» يعني صلاة الصبح، و «وَأَصِيلًا» يعني صلاتي الظهر والعصر، «وَمِنْ اللَّيْلِ» إشارة إلى صلاتي المغرب والعشاء اللتين تقعان في بعض الليل من أوله، «وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا» يعني
صَلَاة الَّليْلِ]
[١] روي ذلك عن الإمام الرضا عليه السلام. وتأكيد الله على مفردات معينة في الآيتين لحكمة، فقد قال الله «وَاذْكُرْ ... فَاسْجُدْ ... وَسَبِّحْهُ» وكلها تتمحور حول قيمة التوحيد وتأكيد العبودية لله، وذلك هو سر الفضيلة والتسامي على الضغوط والتحديات التي تدعو الإنسان إلى الشرك.
(٣١- ٢٧) وبعد أن فصَّل لنا القرآن الحديث عن الأبرار الذين يختارون سبيل الشكر والهدى، وأن إيمانهم باليوم الآخر وخوفهم منه عامل رئيس في اختيارهم طريق الحق وسلوكهم السليم في الحياة، يؤكد لنا أن مشكلة الكفار التي دعتهم إلى الإثم والضلال تتمثل في حبهم الشديد للدنيا وكفرهم بالآخرة «إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا»، ومن الآية نفهم أن حب الدنيا هو الحجاب الذي يحول بين الإنسان وبين الإيمان بالآخرة، وأن الطريق لخرق هذا الحجاب هو حضور يوم القيامة العصيب في وعيه بتذكر مواقفه الرهيبة ومشاهدة الثقيلة.
«نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ» قال صاحب المجمع: الأسر أصله الشد، ومنه قَتَبٌ مأسور: أي مشدود، ومنه الأسير: لأنهم كانوا يشدونه بالقيد، وقولهم: خذ بأسره بشده] [٢]، «وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ» أي قوَّينا وأحكمنا خلقهم عن قتادة ومجاهد، وقيل: أسرهم: أي مفاصلهم عن الربيع، وقيل: أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب، ولولا إحكامه إياها على هذا الترتيب لما أمكن العمل بها والانتفاع منها، وقيل: جعلناهم أقوياء عن الجبائي، وقيل معناه: كلَّفناهم وشددناهم بالأمر والنهي كيلا يجاوزوا حدود الله، كما يشد الأسير بالقيد لئلا يهرب] [٣]. ولعل المعنى هو ظاهر الأسر، فإن ذلك يتناسب مع الشطر الثاني للآية، وينسجم مع السياق، فحيث بيَّن الله حب الكفار للعاجلة، ومن ثم تركهم الآخرة والالتزام بأوامر الله ونواهيه،
وإطلاقهم العنان لأنفسهم في الأهواء والشهوات، أراد أن يؤكد أنه لا يُعصى عن غلبة أبدا. وهذا ما يستدعي التأكيد على حاكمية الله في الإنسان وهيمنته عليه، وأن حوله منه وقوته به، وأنه لا حول ولا قوة له ذاتية. ولعل استخدام كلمة الأسر هنا للإيحاء بأن الإنسان مقيد بقدرة الله وقوته حيث إن شد أسره بيده (وبهذا تجتمع معاني الأسر في الآية).
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٩.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٥.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٦.