من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩١ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
والخوف التي تصيب الإنسان لسبب من الأسباب. وأنه يحدث بعض الأحيان نتيجة الإرهاق أو الصدمات الروحية والمادية أن يرى الواحد أمام ناظريه ما يشبه النجوم الصغيرة، ولعل هذه الظاهرة لون من بروق البصر. وفي المنجد
برق برقا تحيَّر وَدُهِشَ فلم يبصر، البرقة: الدهشة والخوف]
[١]. وبصر الإنسان يبرق يوم القيامة .. ومع أنه يبرق عند الموت إلا إن حمل المعنى على القيامة أقرب إلى السياق فالحديث عنها، والمشاهد التالية متصلة بها لا بالموت.
«وَخَسَفَ الْقَمَرُ» قال الزمخشري
ذهب ضوؤه، أو ذهب بنفسه]
[٢]، وجاء الفعل معلوما في حين يقال عادة خُسِفَ ببناء الفعل للمجهول، ولعله للدلالة على أنه في الحالات الطبيعية يحجب نوره بعوامل خارجية كوقوع الأرض بينه وبين الشمس في حركتها السنوية، مما يتسبب في حجب شعاعها عنه ووقوع ظل الأرض عليه. أما في الآخرة فإن القمر نفسه ينخسف ولا يُخْسَفُ بشيء خارجي، فهو فاعل الخسف وليس غيره.
ومشهد مريع آخر يُلفت القرآن نظرنا إليه، وهو اختلال النظام الكوني في الحياة، ومن مظاهره جمع الشمس والقمر، وهذه النتيجة حتمية وطبيعية في ذلك اليوم، فالكون والنظام إنما أوجدهما الله للإنسان، وحيث ينتهي دوره في الدنيا ينتهي معه كل متعلق به «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ»، وعلماء الفلك يدركون الآثار التي يُخلِّفها مثل هذا الأمر على الكائنات.
وما هو أعظم وأرهب بالنسبة للإنسان من هذه الأحداث الكونية تلك الحقائق التي يمثلها يوم القيامة ويكشف عنها، وأهمها حقيقة الجزاء والمسؤولية، التي طالما كَذَّب بها وسعى للفرار منها بشتى الحيل والذرائع، فهناك يجد نفسه وجها لوجه أمامها ولا سبيل له للهرب منها «يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ»، وإنما يكشف القرآن للإنسان مشاهد الآخرة حتى يزرع التقوى في نفسه فيضع بذلك حدًّا لفجوره وغروره، ولأن المعرفة بالمستقبل والإيمان بحقائقه يخلِّفان توازنا في مسيرته الدنيوية الحاضرة، فهو إنما يَفْجُر زعما منه أنه سيجد مهربا من المسؤولية، «كَلَّا لا وَزَرَ» أي ملجأ ومأوى. قال المبرد والزجاج
) أصل الوَزَر الجبل المنيع، ثم يقال لكل ما
التجأتَ إليه وتحصنت به وَزَر ( [٣]
، ومنه الوزير الذي يُلجأ إليه في الأمور) [٤]
، يقال وَزَرَتْ الحائطُ، إذا قَوِيَت بأساس يعتمد عليه، وقال الحسن
لا جبل، لأن العرب إذا دهمتهم الخيل بغتة قالوا: الوزر، يعنون الجبل) [٥].
[١] المنجد: مادة برق.
[٢] الكشاف: ج ٤، ص ٦٦٠.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٢١.
[٤] مجمع البيان ج ١٠، ص ٥٠٢.
[٥] التبيان: ج ١٠، ص ١٩٤.