من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - ولا تطع كل حلاف مهين
إلى أن من أهم الحكم التي وراء أخذ الله للناس بالبأساء والضراء وألوان من العذاب في الدنيا هي تصحيح مسيرة البشر، بإحياء ضميره واستثارة عقله من خلال ذلك، كما قال تعالى «فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ» [الأنعام: ٤٢]. فما أح وجنا نحن المسلمين إلى أن نتأمل قصة هؤلاء الإخوة الذين اعتبروا بآيات الله وراجعوا أنفسهم بحثا عن الحقيقة لما رأوا جنتهم وقد أصبحت كالصريم، فنغيِّر من أنفسنا ليغير الله ما نحن فيه، إذ ما أشبه تلك الجنة وقد طاف عليها طائف من الله بحضارتنا التي صرمتها عوامل الانحطاط والتخلف. ولو أنهم استمعوا إلى نداء المصلحين لما ابتلوا بتلك النهاية المريعة .. وهكذا كل أمة لا تفلح إلا إذا عرفت قيمة المصلحين المجاهدين، فاستمعت إلى نصائحهم، واستجابت لبلاغهم وإنذارهم. ولهذا الدور تصدى أوسط أصحاب الجنة، فعارضهم في البداية حينما أزمعوا وأجمعوا على الخطيئة، وذكَّرهم لما أصابهم عذاب الله بالحق، وحمَّلهم كامل المسؤولية، واستفاد من الصدمة التي أصابتهم في إرشادهم إلى العلاج الناجح.
«قَالَ أَوْسَطُهُمْ» وهو يذكِّرهم ويلومهم، ويرشدهم في آن واحد «أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ» أي إن التسبيح هو السبيل لعلاج الضلالة والحرمان، فهو إذن ليس كما يتصور البعض مجرد قول الواحد: سبحان الله، إنما هو شريعة نظام ومنهجية حياة، تتسع لعلاج كل انحراف ومشكلة لدى الإنسان، وهدايته إلى الحق والصواب في كل ميدان وجانب، حيث إنه بالتسبيح يقدس المرء ربه فلا ينسب الذنب إليه وإنما إلى نفسه، ولهذا يأتي التسبيح عند الاعتراف بالذنب، مثل قوله سبحانه في قصة ذي النون وعلى لسانه «سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ» [الأنبياء: ٨٧] والذيذهب إليه البعض [١] من تفسير للتسبيح هنا بأنه الاستثناء (بالعطاء للمساكين، وقول إن شاء الله) أو التوبة بعد الذنب صحيح ولكنه من المصاديق والمفردات التي إلى جانبها الكثير مثيلاتها.
وتتساءل: من هو أوسطهم؟.
قال أكثر المفسرين أنه أوسطهم في السن، وذلك ممكن إلا أن الأقرب للمعنى أنه أعدلهم وأرجحهم عقلا، ذلك أن السن في مثل هذه القضية ليس بذي أهمية حتى يذكر، وإلى ذلك ذهب ابن عباس وقد سأله سائل
يَا بْنَ عَبَّاسٍ كَانَ أَوْسَطَهُمْ فِي السِّنِّ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ كَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ سِنّاً وكَانَ أَكْبَرَهُمْ عَقْلًا، وأَوْسَطُ الْقَوْمِ خَيْرُ الْقَوْمِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّكُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أَصْغَرُ الْقَوْمِ وخَيْرُ الْأُمَمِ قَالَ الله
«وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً»] [٢]، وإنما يكتشف
[١] روح المعاني في تفسير القرآن الكريم: ج ١٥، ص ٣٧.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣١٨، مستدرك الوسائل: ج ٧، ص ٩٧.