من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٥ - ولا تطع كل حلاف مهين
التأريخ وفي كل المذاهب والأديان تقريبا، فالقوى المترفة هي التي حوَّلت الأحبار إلى جماعة يكنزون الذهب والفضة وأداة طيعة في أيدي أصحاب المال والسلطة. كما أن التحليل المتأني لكثير من الصراعات التي كانت تدور بين القيادات الدينية والمترفين يؤكد أن سببها يكمن في رفض القيادات الدينية لهم ولسيطرتهم على الناس، فهذا السامري ومن حوله بعض أصحاب المال في مجتمع بني إسرائيل يبغون على موسى عليه السلام لأنه وقف ضد مطامعهم ومحاولاتهم الخبيثة في تطويع الدين لصالح شهواتهم وأهوائهم.
وموقف القرآن يبدو موقفا عنيفا وواضحا في تحذير الرسول صلى الله عليه واله من المترفين، لأن خطرهم عظيم، وعادة ما يكون متسللا بعيدا عن التحديات والضغوط المباشرة الحادة، فقد يظهر أحدهم لدى القوة الدينية بمظهر التقوى والتأييد فإذا به يصارع الآخرين على الصف الأول من الجماعة، ويبذل الأموال التي تخدم الجهاز الديني ومشاريعه في المجتمع ولكن ليس لوجه الله وتقربا منه، ولا عن قناعة بالقادة الدينيين أبدا، بل لحاجة في نفسه وهي أن يستغلهم لمصالحه وأهوائه، اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، بتزيين الاتجاه السياسي والاجتماعي الذي يناسبه من جهة، وباستخراج الفتاوى التي تخدم أغراضه من جهة ثانية.
وتقسم الآيات قوى الضغط المترفة إلى فريقين
الفريق الأول: المكذبون الذين لا يؤمنون بالرسالة ولا بالرسول، كالطواغيت الذين يجاهرون بالتكذيب، وكالقوى المستكبرة التي في عصرنا هذا، فهم أشبه ما يكونون بالكفار، ولا ريب أن لهؤلاء أطماعهم تجاه الأمة الإسلامية، وبالتالي فهم يسعون للتأثير على قيادة المجتمع الإسلامي الدينية وتطويعها. إنهم- كما الفريق الثاني- لا يسعون في البدء للقضاء على الجهاز الديني إنما يحاولون الإبقاء عليه ممسوخا ومفرغا من محتواه الرسالي، لكي يركبونه مطية إلى مصالحهم.
«فَلا تُطِعْ الْمُكَذِّبِينَ» ويفضح القرآن خبثهم المتمثل في خطة المسخ والإفراغ التي يتبعونها، مبينا أنهم يسعون لتغيير بعض القيم ومواقف القيادة لصالحهم بمقايضة الدين الحق بأموالهم، وكأن قضية الحق كالتجارة تقبل البيع والشراء. فمن الضرورة أن تكون القيادة الدينية (لكي تُفشل المترفين في مرامهم) على مستوى رفيع من تقوى الله فلا تخدعها زخارف الدنيا عن الحق، وأيضا أن تكون في مستوى عالٍ من الوعي السياسي والحنكة الإدارية والفطنة الاجتماعية، وفي مستوى عالٍ من الوعي يكشف مكرهم مهما كان خفيًّا ومحكما، ولذلك جاءت النصوص الدينية مؤكدة هذين الأمرين