من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠١ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
ظن يقين يصل إلى حد التصور وشبه الرؤية، فإنه حينئذ يعاين حقيقة الموت والآخرة فإذا به يقبض يدا ويبسط أخرى، وهكذا يعالج سكرات الموت بروحه وحركاته اليائسة «وَالْتَفَّتْ السَّاقُ بِالسَّاقِ» عن قتادة
هما ساقاه عند الموت، أما رأيته في النزع كيف يضرب بإحدى رجليه على الأخرى؟ وقال الحسن وسعيد بن المسيب: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن، (وقيل): إنه إذا مات يبست ساقاه والتصقت أحداهما بالأخرى]
[١]، وعن الشعبي وأبي مالك: لأنه يذهب بالقوة فيصير كجلدة يلتف بعضها ببعض، وقيل: يضطرب فلا يزال يمد أحدى رجليه ويرسل الأخرى. ولعل الآية كناية عن الشدائد والصعاب التي يواجهها الإنسان عند الموت، وقد وجدت إشارة إلى هذا المعنى في تفسير القرطبي قال
أي فاتصلت الشدة بالشدة، شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة، قاله ابن عباس والحسن وغيرهما .. وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران شديدان .. والعرب لا تذكر الساق إلا في المحن والشدائد العظام، ومنه قولهم: قامت الدنيا على ساق، وقامت الحرب على ساق] [٢].
وحينما يفارق الإنسان هذه الدنيا بما فيها ومن فيها فإنه لا يصير إلى العدم، وإنما ينتقل من فراقها إلى لقاء عظيم بربه «إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ» قيل: يعني إليه المنتهى أو غاية سوق الملائكة لكل نفس، وهو صحيح، ولكن يبدو لي أن «الْمَسَاقُ» هنا يعني المصير، حيث إن الأنفس بعد الحساب تسوقها الملائكة إلى مأواها ومصيرها، فإما تسوق الإنسان ملائكة الرحمة إلى الجنة، وإما تسوقه ملائكة العذاب إلى النار، وإلى الله
وحده وبيده الأمر بكلا المساقين، فما أحوجه إلى معرفة هذه الحقيقة والإيمان بها، فإن ذلك يبعث فيه روح التسليم إليه والسعي إلى القرب منه.
(٣٥- ٣١) وحين لا يؤمن الإنسان بلقاء ربه ينحرف عن الصراط المستقيم ويترك الواجبات التي عليه «فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى» قيل
لا صدق بماله ذخرا عند الله، ولا صلى الصلوات التي أمره الله بها]
[٣]، والأصح حمل التصديق هنا على معناه الأصلي، وهو تصديق الإيمان بالعمل والباطن بالظاهر والعكس، وهذا الفهم يجعل الكلمة تتسع لكثير من المفردات والمصاديق ومن بينها الإنفاق. كما أن الصلاة رمز الصلة والقرب مع الخالق ورمز التواصل مع الخلق، وهكذا الآيتان تفسران بعضهما، فالتكذيب نقيض التصديق، والتولي نقيض التواصل، والمكذِّب بالحق يرتكب ذنبين: أحدهما عدم التصديق والصلاة، والآخر التكذيب والتولي، وابتعاد الإنسان عن الحق ليس يقطع علاقته بالله وبرسوله فقط، وإنما يفسد علاقته بالناس أيضا، فهو يركب مطية الغرور والتكبر بينهم «ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى» أصل
[١] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٣٢.
[٢] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ١١٢.
[٣] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ١١٣.