من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٧ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
وكثرة الحرس لا أصل الحرس، وظهور قوله
«نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ»
في أنا نجد فيها بعض المقاعد خاليا من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها،
«فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً») [١]. وفي الأحاديث: أنهم كانوا يحجبون عن سماء بعد أخرى حتى وُلِد خاتم المرسلين فحُجِبُوا تماما، وعن الإمام علي عليه السلام قال
وَلَقَدْ هَمَّ إِبْلِيسُ بِالظَّعْنِ فِي السَّمَاءِ لِمَا رَأَى مِنَ الْأَعَاجِيبِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَكَانَ لَهُ مَقْعَدٌ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ وَالشَّيَاطِينُ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ فَلَمَّا رَأَوُا الْأَعَاجِيبَ أَرَادُوا أَنْ يَسْتَرِقُوا السَّمْعَ فَإِذَا هُمُو قَدْ حُجِبُوا مِنَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا]
[٢] إذن فمن يدعي معرفة الغيب [٣] من الكهنة والمنجمين باعتبارهم يتصلون بالجن فإنما يزعمون باطلا حيث حجبوا باعترافهم أنفسهم.
والسورة الكريمة تهدينا إلى طبيعة المنهج القرآني الواقعية، فآياته لا تدور في الفراغ، ولا تطرح الأساطير كما يقول الكفار والمشركون، وإنما يعالج قضايا ومشاكل نفسية واجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية حقيقية، وحيث تنزلت سورة الجن فمن أجل اجتثاث جذور الكهانة والشرك والاتصال بالجن والشياطين، وهكذا يعالج القرآن تلك النظريات الشائعة في المجتمعات.
ولعل سائلا يقول: وهل عالج القرآن المذهب الوجودي والشيوعي وغيرهما من الفلسفات التي تجددت في القرون الأخيرة؟. ونقول: بلى؛ لأن هذه المذاهب ليست إلا تطويرات للنظريات القديمة، فقد كانت الوجودية موجودة تاريخيًّا- وإن كانت بصورة أخرى- مبثوثة في الأفكار اليونانية التي دعت الإنسان لإثبات وجوده والالتذاذ الدائم، وهي مشابهة لدعوة سارتر [٤] وتلامذته الآن، كما كانت
الفلسفة الاشتراكية حاضرة في عهد من عهود إيران تحت عنوان (المزدكية) وهي اشتراكية بلغت حد الشيوعية والإباحية.
وتخصيص القرآن سورة باسم الجن صورة حية لواقعيته، لأن استعاذة رجال من الإنس بهم وتلقيهم لهمزاتهم كان ولا يزال من الأسباب الرئيسية لانحراف البشر وضلالهم عن الحق، حيث الخلط بين تلك الإلقاءات وبين الوحي. والتطلع إلى معرفة الغيب من الدوافع الملحة للإنسان نحو الاتصال بأي جهة يتوقع معرفتها به لعله يعلم بعضه، ولكن قسما من الناس يخطئون إذ يعوذون بالجن بدل أن يربطوا أنفسهم بوحي الله، مع أنهم لا يعلمون من الغيب
[١] تفسير الميزان: ج ٢٠ ص ٤٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٠، ص ٤٥.
[٣] الحجب عن معرفة المستقبل واخبار السماء، أما ما يقع بين البشر الذي اخبار عن ماض وكائن فليس من الغيب ولا يظهر من الآية نفيه. وهو غير منفي عن البشر كذلك، وهو نظير اخبار العيون.
[٤] فيلسوف وجودي وأديب فرنسي، كان أدبه المتميز بوابته للشهرة ١٩٩٠- ١٩٠٥) م).