من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٣ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
أساسية لالتزامه بالشرائع. من هنا القرآن يذكِّره بالحقائق الوجدانية المرة بعد الآخرة.
- ٢ كما أن الإنسان لا يجد مفرًّا من حكومة الله يوم القيامة ولا تنفعه الأعذار، فإنه حين يراجع ذاته (ضميره وعقله) يواجه الموقف نفسه، حيث يعلم أن الأعذار التي يقدمها لا واقع لها، فهي قد تخدع غيره ولكن لن تخدع وجدانه.
- ٣ إن الأعذار التي يلقيها الإنسان أكثرها كاذبة، يلجأ إليها لتبرير أخطائه وسلوكياته المنحرفة، وهي لا تغيِّر من الواقع شيئا لا عند الله ولا عنده. وورود الكلمة بالجمع «مَعَاذِيرَهُ» فيه دلالة على أنه يتقن فن صناعة التبرير، وأنه حينما يريد تبرير موقف أو عمل ما متصل به لا يكتفي بعذر واحد بل يختلق أعذارا كثيرة.
وهذه البصائر تنسف الثقافة التبريرية التي هي أهم أسباب التخلف والإجرام، ذلك لأن الإنسان الذي خُلِق في أحسن تقويم، وأُنشئت نفسه على فطرة الاستقامة، ثم زُوِّد بالنفس اللوامة التي تراقب انحرافه بمقياس دقيق، إنه لا يقفز- مرة واحدة- من قمة الحق إلى حضيض الباطل، إنما يهبط إليه عبر سُلَّم التبرير وتقديم الأعذار، فإذا بنفسه الأمارة بالسوء تُسَوِّل له الخطيئة، تقول له مثلا: أنَّى لك النقاء الكامل، أنت طَيِّب أكثر من اللازم، ولا يمكنك أن تعيش من دون ظلم أحد، كل الناس يظلمون بعضهم .. وهكذا يُقَدِّم الأعذار لانحرافه حتى يبتعد كليًّا عن طريق الحق ويتسافل إلى الحضيض.
وإذا عرف الإنسان الدور السلبي للأعذار وأنها غطاء رقيق لارتكاب الجرائم الخطيرة وأنها لا تعني شيئا، فإن ذلك يساهم في استقامته على الحق.
قال الإمام الصادق عليه السلام
مَا يَصْنَعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يُظْهِرَ حَسَناً ويُسِرَّ سَيِّئاً أَلَيْسَ يَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ والله عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ
«بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ»
، إِنَّ السَّرِيرَةَ إِذَا صَحَّتْ
قَوِيَتِ الْعَلَانِيَةُ]
[١]، وقال عليه السلام
مَا يَصْنَعُ الْإِنْسَانُ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَى النَّاسِ بِخِلَافِ مَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ، إِنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله كَانَ يَقُولُ: مَنْ أَسَرَّ سَرِيرَةً أَلْبَسَهُ اللهُ رِدَاءَهَا إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ] [٢].
واختُلف في تاء «بَصِيرَةٌ» فقيل: إنها للتأنيث وتعود على الجوارح، فكأن الآية تقول: إن جوارح الإنسان على نفسه بصيرة، وقيل: هي للمبالغة فإن العرب تقول: فلانة علَّامة، وفلان علَّامة. والذي يبدو لي إضافة إلى ذلك أنها راجعة إلى النفس، فنفس الإنسان عليه بصيرة، ولم
[١] الكافي: ج ٢، ص ٢٩٥.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٩٦.