من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٥ - كل نفس بما كسبت رهينة
ذيوله مؤذنا بطلوع الفجر. وفي التفسير الكبير قال قطرب
إذا أقبل بعد مضي النهار]
[١]، على أساس أنه يقع في دبر النهار ويحل ظلامه على خطا رحيله الأخيرة، وهذا رأي بعيد، وقد عجز البعض عن إدراك وقع «إِذْ» في هذه الآية ودورها في أداء المعنى، فافترض ما يشاء، واعترض على قول الله سبحانه. قال القرطبي بعد بيان الاختلاف في القراءات والمصاحف
واختار أبو عبيد إذا أدبر (وليس إذ) قال: لأنها أكثر موافقة للحروف التي تليه، أتراه يقول
«وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ»
، فكيف يكون أحدهما
«إِذْ»
والآخر
«إِذَا»؟
وليس في القرآن قسم تعقبه
«إِذْ»
وإنما يتعقبه
«إِذَا»] [٢]. ويبدو لي أن «إِذْ» هنا ظرفية لا شرطية كما في «إِذَا أَسْفَرَ»، فيكون المعنى أنه تعالى يقسم باللحظة المباشرة لجمع الليل فلول ظلامه، وكأنه يريدنا أن نعيش ظاهرة إدبار الليل وبزوغ الفجر.
«وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ» أي أضاء وانبلج نوره، لأن الصبح له مراحل يتدرج عبرها ويتضح شيئا فشيئا، حتى تطلع الشمس فتطرد كل فلول الظلام، وتكشف للناظر عن وجه الطبيعة من حوله، وفي اللغة: سفرت المرأة سفورا: كشفت عن وجهها فهي سافر، وأسفر مقدم رأسه: انحسر عنه الشعر، وأنسفر الغيم تفرق فأبدى وجه السماء، ويقال للصبح (أسفر) لأنه حينما يتشعشع نوره يكشف عن نفسه وعن الطبيعة بكل وضوح. وربنا يقسم به في مرحلة الإسفار وليس في أي مرحلة أخرى من مراحله لتعلّق شرط «إِذَا» بها بالذات.
وحينما يلتفت الإنسان ببصره إلى هذه الظواهر الكونية الثلاث، ويتفكر فيها بعقله، فإنه يجدها آيات هادية إلى حقيقة التوحيد والربوبية العظمى، وإلى هذه الحقيقة ذاتها بتفاصيلها تهديه آيات القرآن، وحديثه عن سقر وملائكتها وتذكيره بها يؤكد أن الذي خلق هذا الكون هو الذي أنزل ذلك التشريع، وأنه إذا كانت هذه الظواهر وأمثالها كبيرة في نفس الإنسان وعظيمة فإن القرآن والآخرة واحدة من أعظم الحقائق المنذرة.
«إِنَّهَا لإٍحْدَى الْكُبَرِ» قال القرطبي: روي عن بن عباس «إِنَّهَا» أي أن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه واله «لإٍحْدَى الْكُبَرِ» أي لكبيرة من الكبائر] [٣]، وليس في السياق ما يؤيد هذا الرأي، بالذات إذا
وصلنا الآية بما يليها، وقيل
أي إن قيام الساعة لإحدى الكبر]
[٤]، وهذا صحيح مُسَلَّم به إلا أنه لا دليل عليه لا في النص ولا في السياق، وقيل
يعني سقر، وفيه وجه لأنها واحدة من أعظم شُعَب النار، وأكبر النُّذُر للناس، وقد ذكرت، وقيل: آيات القرآن لإحدى
[١] التفسير الكبير: ج ٣٠ ص ٢٠٩.
[٢] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ٨٤.
[٣] المصدر السابق: ص ٨٥.
[٤] المصدر السابق: ص ٨٥.