من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧١ - كل نفس بما كسبت رهينة
العبودية لله، ولباب حرية الإنسان .. من هنا كان الخوض مع الخائضين والاسترسال مع التيار الغالب أنى اتجه كان ذلك جرما عظيما يرتكبه الإنسان في حق نفسه، وهو يعتبر كذلك من مصاديق الشرك بالله، الذي يستوجب عند الله أشد العذاب، لأنه عامل رئيسي من عوامل خطأ الإنسان وانحرافه وضلاله [١]. وقد جاءت رسالات الله تهدي الإنسان إلى ذاته، ومعرفة كرامته عند الله، وآفاق عالمه الكبير، في حين الشيطان، وأولياءه يريدون تضليل الإنسان عن نفسه، وتجهيله بقيمتها وكرامتها ودورها المرسوم في انتخاب الخير ومحاربة الشر، ومن هنا نجد الطغاة والمترفين اليوم قد تسلحوا بأجهزة إعلامية فائقة الكفاءة من أجل سلب الاختيار من الإنسان الفرد، وقولبة شخصيته ضمن المسارات التي يختارونها له، وتَلَقِّي المواقف والأفكار الجاهزة من خلال وسائل السلطة. ولقد استطاعت الأنظمة الاستكبارية في الغرب ربط شعوبها بوسائلها الإعلامية بالخصوص في القضايا السياسية، فهي تخوض حينما خاضت حكوماتها وأحزابها. والشاشة الصغيرة وشبكات الصحف الكبيرة أصبحت اليوم آلهة تُعْبَد من دون الله، وتفرض آراءها على الناس في شتى الأمور. وحتى اختيار لون فستان زوجته، وتسريحة شعرها وطبيعة العلاقة معها، يستمده الإنسان الغربي من وسائل الدعاية والإعلام لا من اختيار حر مستقل.
أما كيف يؤدي حس التوافق إلى الجريمة؟ فالأمر واضح جدًّا، إذ إن الفرد الذي فقد الاستقلال سوف يشارك مجتمعه في أخطائه حينما يتجه مركبه صوب الجريمة والضلال، فإذا فسد أخلاقيًّا فسد معه، وإذا شن حربا ظالمة على الآخرين خاض في دمائهم كما يخوضون، وإذا جلس مجالس الغيبة والبهتان والنميمة أدلى بدلوه في لهو الحديث ولغوه دون أن يملك شجاعة المعارضة.
رابعاً: التكذيب بالآخرة «وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ» واليقين هنا بمعنى العلم، وقد فُسِّرت الكلمة بالموت لأن الإنسان حينما يموت يرتفع عن بصره كل حجاب، فيرى الآخرة والجزاء
وكل الحقائق التي ذكرت بها رسالات الله عين اليقين. وفي الآيتين إشارة إلى أن فرصة النجاة قائمة ما دام حَيًّا، فلو وقع في خط الباطل والإجرام ثم تاب وأصلح قبل الموت نفعه ذلك وإلا فلا. وحيث لا يعلم الإنسان موعده مع الموت ولقاء ربه وجزائه فإنه ينبغي له ملازمة الطاعة والعمل الصالح بلا انقطاع، فلعله وقد فكر في المعصية وواقعها وافاه الأجل فصار إلى سوء العاقبة. هكذا أوصى أمير المؤمنين ابنه الحسن عليهما السلام محذرا إياه من الموت
فَكُنْ مِنْهُ عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ فَيَحُولَ
[١] لقد بينا دور حس (التوافق الاجتماعي) السلبي في كتابنا (المنطق الإسلامي): ص ٢٣٥- ٢٦٢، ط ١٩٩٢: ٢ عن دار البيان العربي، لبنان.