من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٦٩ - كل نفس بما كسبت رهينة
ومعالم طريق النار، مما يُمكِّنهم من تجنب الأخطاء والمزالق، فإن المعرفة بها لا تقل أهمية عن المعرفة بالصواب والحق. والذي يسعى لبناء شخصية إيمانية في نفسه ينبغي له أن يعرف صفات أهل النار ليتجنبها.
«مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ» أي شيء (عمل ومنهج) قادكم إلى النار؟.
وإجابتهم تبين معالم الشخصية المجرمة من جهة، وتؤكد عمليًّا ارتهان كل نفس بكسبها من جهة أخرى، فما هي الأسباب التي أدت بهم إلى الجريمة ومن ثم إلى عذاب سقر؟.
أولًا: تركهم الصلاة «قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ»، والآية تشمل التاركين للصلاة من الأساس كالكفار والممسوخين من المسلمين، كما تشمل أولئك الذين يمارسون طقوس العبادة ولكنهم لا يلتزمون بقيمها وأهدافها، وهم الذين قال عنهم ربنا «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ» [الماعون: ٤- ٥]، فإنهم عند الله ليسوا من عداد المصلين، لأن تارك الصلاة إنما يصبح مجرما لأنه ترك أعظم دافع نحو الخير وأفضل رادع عن الشر وهو الصلاة، قال تعالى «إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ» العنكبوت: ٤٥] وذلك أنها عمود الدين، وروح الإيمان، وصلة التقرب بالله. قال الإمام علي عليه السلام يعظ محمد بن أبي بكر
واعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَبَعٌ لِصَلَاتِكَ، واعْلَمْ أَنَّ مَنْ ضَيَّعَ الصَّلَاةَ فَهُوَ لِغَيْرِهَا أَضْيَعُ]
[١]، وقال رسول الله صلى الله عليه واله
لَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يَرْعَبُ مِنْ بَنِي آدَمَ مَا حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَإِذَا ضَيَّعَهُنَّ تَجَرَّأَ عَلَيْهِ وَأَوْقَعَهُ فِي الْعَظَائِم]
[٢]. وقد أعطى أئمة الهدى بُعْدًا سياسيًّا واجتماعيًّا لهذه الآية، من خلال تفسير ترك الصلاة في ترك الانتماء إلى حزب الله ورفض القيادة الرسالية، قال إدريس بن عبد الله سألته- يعني الإمام الصادق عليه السلام- عن تفسير هذه الآية، قال
عَنَى بِهَا لَمْ نَكُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ]
[٣]، وقال
أَمَا تَرَى النَّاسَ يُسَمُّونَ الَّذِي يَلِي السَّابِقَ فِي الْحَلْبَةِ
مُصَلِّي، فَذَلِكَ الَّذِي عَنَى حَيْثُ قَالَ
«لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ»
لَمْ نَكُ مِنْ أَتْبَاعِ السَّابِقِينَ]
[٤]، وهذا واضح في نص الآية الكريمة عند قوله «مِنَ الْمُصَلِّينَ» .. فالمصلون إذن نهج وحزب وقيادة، وعدم الانتماء إليهم يستوجب عذاب سقر .. ومن هذه الفكرة نهتدي إلى أن اللا أبالية في الصراع بين الحق والباطل في المجتمع دون الانتماء إلى فريق الحق مسألة مرفوضة في الإسلام. ومع أن الكفار والمشركين كافرون بأصول الدين إلا أن الله يشير إلى كفرهم بالصلاة وهي فرع من فروع الدين بوصفها واحدة من الكبائر. لماذا؟! لأنها عمود
[١] بحار الأنوار: ج ٨٠، ص ٢٤.
[٢] المصدر السابق: ص ٢٠٢.
[٣] الكافي: ج ١، ص ٤١٩.
[٤] المصدر السابق: ص ٤١٩.