من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
قَالُوا هَذَا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ الله صلى الله عليه واله ورَآهُ وسَمِعَ مِنْهُ وأَخَذُوا عَنْهُ، وهُمْ لَا يَعْرِفُونَ حَالَهُ وقَدْ أَخْبَرَهُ اللهُ عَنِ المُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَهُ ووَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ فَقَالَ عَزَّوجَلَّ
«* وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ»
ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ والدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ والْكَذِبِ والْبُهْتَانِ فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وحَمَلُوهُمْ عَلَى رِقَابِ النَّاسِ وأَكَلُوا بِهِمُ الدُّنْيَا وإِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ والدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ اللهُ فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ] [١].
[٣] ونستفيد من خاتمة الآية السابقة أن النفاق الذي وصل إليه هذا الفريق لم يكن وليد لحظته، إنما كان نتيجة تراكمات لسوابق أعمالهم السيئة التي لم يتطهروا منها حينما دخلوا دار الإسلام، وهذه الفكرة تقودنا إلى التأمل في قوله عز وجل «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ» [البقرة: ٢٢٢]، فلا تستقيم مسيرة الإنسان العاكف على الخطايا في ردح من عمره إلا بالتطهر عن السوابق السيئة بالتوبة المستمرة، لأن آثار الذنب تهدد بالانحراف في أي لحظة. لذلك يقول ربنا سبحانه «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا» فهم حين اختاروا الإيمان ربما كان ذلك نتيجة نفحة إلهية تعرضوا لها ولحظة إشراق عمت صدورهم وقرروا الإيمان [٢]، ولكنهم لم يكنسوا من أنفسهم رواسب الضلال السابقة فنمت من جديد إلى حد غيرت مسارهم إلى الطريق الآخر.
«ثُمَّ كَفَرُوا» وكان ينبغي لهم أن يرسخوا الإيمان في قلوبهم وسلوكهم ويعمدوا إلى التطهر من سوابق الضلال ودواعيه فلم يفعلوا فعادوا إلى الكفر اتباعا للأهواء والمصالح، أو كان إيمانهم إيمانا سطحيا دعتهم إليه الظروف والمصالح فلما وجدوا الفرصة المناسبة رجعوا إلى شخصياتهم الحقيقية.
وحينما يتمادى الإنسان في الانحراف ويصر على الكفر يصل إلى درجة تموت في نفسه جذوة الإيمان، وينطفئ عنها نور الهدى (العقل والفطرة والإيمان) فلا يحدث نفسه بالهداية ولا يرتجى له ذلك. وهذه المرحلة يسميها القرآن بالطبع.
«فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ» ولكن لم يكن هذا الطبع جبرا من الله فرض عليهم، وإنما كان نتيجة اختيارهم الحر للكفر بعد الإيمان والتمادي فيه. ولأن حكمة الخلق كانت الرحمة الإلهية «إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ»
«وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ» [هود: ١١٩]، فإنالله لا يطبع على قلب أحد إلا إذا علم أنه يستحق ذلك، ولا يمكن أن يهتدي في المستقبل. والطبع في أحد وجوهه لون من العذاب في الدنيا بسلب حلاوة الإيمان والهدى، أما في الآخرة فإنه يؤدي إلى الخلود في العذاب الأليم.
[١] الكافي: ج ١، ص ٦٣- ٦٢. وإنه لجدير بنا أن ندرس تاريخنا وواقعنا على ضوء هذه الرواية العظيمة.
[٢] لقد مرت الإشارة إلى هذه الفكرة عند تفسير الآيتين [١٧- ٢٠] من سورة البقرة فراجع.