من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٢ - بل الإنسان على نفسه بصيرة
وفي الآخرة لا يجد أحد مفرًّا ولا ملجأ من جزائه، وعذاب ربه. بلى، هناك مفر واحد فقط ينفع الإنسان، وهو أن يفر إلى ربه الذي منه العذاب، وإليه المصير، ولا يكون ذلك فجأة، إنما يحتاج الأمر إلى تمهيد في الدنيا قبل الآخرة «إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ»، قال صاحب المجمع
أي ينتهي الخلق يومئذ إلى حكمه وأمره، وقيل «الْمُسْتَقَرُّ»: المكان الذي يستقر فيه المؤمن والكافر، وذلك إلى الله لا العباد]
[١]. والأصح إطلاق الكلمة كي تتسع إلى كل المعاني التي توحي بها هذه العبارة، كالقرار، والمصير، والمقر، والحكم، والأمر .. إلخ، وفي ذلك تنبيه للإنسان إلى أن الدنيا ليست محلًّا للخلود والاستقرار، ولا محطة أخيرة، فيجب أن يُكَيِّف نفسه مع هذه الحقيقة الهامة، وليس معنى الآية أن المستقر دون ذلك اليوم ليس لله «فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى» [النجم: ٢٥]، ولكن حكمته اقتضت أن تكون لنا الحرية في الدنيا، ويومئذ يكشف لنا الغطاء بصورة أوضح وأجلى عن هيمنته وسلطانه المطلقين، ونكتشف فيما نكتشف علمه وإحاطته التامَّين حينما يعرضنا للحساب والجزاء فنجد أنه أحصى كل صغيرة وكبيرة لنا وعلينا.
«يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ»، في التبيان ومثله المجمع
أي يُخبر الإنسان يوم القيامة بأول عمله وآخره فيجازى به، وقيل: بما قدَّم من العمل في حياته، وما سَنَّه فَعُمِلَ به بعد موته من خير أو شر، وقيل: بما قدَّم من المعاصي (على الطاعات) وأخَّر من الطاعات]
[٢]، (على المعاصي). قال الإمام الباقر عليه السلام
بِمَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَمَا أَخَّرَ مِمَّا سَنَّ مِنْ سُنَّةٍ لِيُسْتَنَّ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ فَإِنْ كَانَ شَرًّا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ خَيْرًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُوْرِهِمْ وَلا يُنْقَصُ مِنْ أُجُوْرِهِمْ شَيْءٌ]
[٣]. وحضور مشهد الحساب الأخروي في وعي الإنسان في الدنيا له دور كبير في بعثه على التقوى والطاعة، وممارسة النقد الذاتي البناء. والله قادر أن يجازي الناس مباشرة بعد بعثهم ولا أحد يسأله عما يفعل، ولكنه يأبى إلا أن يُجلي علمه وعدالته لخلقه.
(١٥- ١٤) والسياق مَهَّد السبيل للحديث عن البصيرة الأساسية التي تعتبر محورا هاما في السورة، وهي وعي الإنسان بمسؤوليته عبر استثارة نفسه اللوامة، التي تجعله عليها شاهدا ورقيبا مما يصلح مسيرته
ويوجهه إلى تحمل المسؤولية بتمام المعنى، فلا يمارس الخطيئة لأنها تحتاج إلى التبريرات والأعذار، وهي لا تنفع شيئا عند الله ولا عند محكمة نفسه «بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ» وهنا نهتدي إلى عده بصائر
- ١ يهدف الإسلام عبر منهجه التربوي تنمية وازع الضمير عند الإنسان بوصفه ضمانة
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٠٢.
[٢] المصدر السابق: ص ٥٠٢.
[٣] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٧.