من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٣ - ويل يومئذ للمكذبين
الفرات، فإن أفضل المياه وأعذبها ما تتفجر به ينابيع الجبال، وما ينحدر منها إلى جوف الأرض وسفوحها وأنهارها. قال الإمام علي عليه السلام يصف الأرض
فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وحَمْلِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ الْبُذَّخِ
(الطاغية في الارتفاع)
عَلَى أَكْتَافِهَا فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا
(العرنين: ما صلب من عظم الأنف، والمراد أعالي الجبال)
وفَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا
(جمع بيداء وهي الصحاري)
وأَخَادِيدِهَا]
[١]، وقال الإمام الصادق عليه السلام
انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى هَذِهِ الْجِبَالِ الْمَرْكُومَةِ مِنَ الطِّينِ وَالْحِجَارَةِ الَّتِي يَحْسُبُهَا الْغَافِلُونَ فَضْلًا لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا وَالْمَنَافِعُ فِيهَا كَثِيرَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَسْقُطَ عَلَيْهَا الثُّلُوجُ فَيَبْقَى فِي قِلَالِهَا لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَيَذُوبَ مَا ذَابَ مِنْهُ فَتَجْرِيَ مِنْهُ الْعُيُونُ الْغَزِيرَةُ الَّتِي تَجْتَمِعُ مِنْهَا الْأَنْهَارُ الْعِظَام] [٢].
وَجَعْلُ الله الأرض كفاتا، وجعله فيها الجبال الراسية الشامخة، وسقينا بها الماء الفرات من ينابيع مخازنها، وذوبان ما تقله من الثلوج، كلها نعم إلهية تستوجب الشكر والحمد له، ومن شُكْرِهِ اتِّباعُ رسله ورسالاته، إلا أن الإنسان غالبا لا يفعل ذلك، بل تراه كفورا مكذبا، ويل له يوم القيامة من شديد العذاب على قلة حمده، ومقابلته إحسان ربه بالتكذيب «وَيْلٌ يوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» من غضب الله وعذابه، فإن غضبه عليهم وتكذيبهم لرسله وكتبه يستحيلان في الآخرة ألوانا من العذاب الذي لا يطاق، ينطلقون إليه بزجر خزنة جهنم ومقامع من نار تلظى، ولسان الحال قولا وفعلا ما حكى رب العزة «انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ» قال الشيخ الطوسي
يعني من العقاب على الكفر، ودخول النار جزاء على المعاصي]
[٣]، وعلَّق الرازي بالقول
والظاهر أن القائلين هم خزنة النار]
[٤]، والذي يكذبون به هو الجزاء والنار، والتكذيب بذلك يعني إنكاره، وإنكار الحقائق الأخرى بسبب هذا التكذيب.
«انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ» ولعل الظل بسبب الدخان الذي يحجب النور، أو هو الظلام الحالك، وقد اختلف المفسرون في معنى «ثَلاثِ شُعَبٍ»، فقيل معناه
يتشعب من النار ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه، وشعبة عن شماله فتحيط بالكافر) [٥]
، وقيل
يخرج من النار لسان فيحيط بالكافر كالسرداق، فينشعب ثلاث شعب فيكون فيها حتى يفرغ من الحساب) [٦]
، وفي اللغة
الشُّعْبَةُ جمعها شُعَب وشِعَاب: الفرقة والطائفة من
[١] نهج البلاغة: خطبة: ٩١.
[٢] بحار الأنوار: ج ٣، ص ١٢٦.
[٣] التبيان: ج ١٠، ص ٢٣٠.
[٤] التفسير الكبير: ج ٣٠ ص ٢٧٤.
[٥] التبيان: ج ١٠، ص ٢٣٠.
[٦] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٣٢.