من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٨ - أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون
تشريعيًّا وفي الحياة المعنوية والاجتماعية كما يختار طريقه بين فجاج الأرض ومناكبها.
وقد أكد نوح ذنب معصيتهم له بالذات، فلم يقل مثلا: إنهم لم يعبدوا الله أو لم يتقوه؛ لأن معصية القيادة الإلهية في الواقع معصية لله وعنوان كل انحراف وفساد، وإنما لم يعبدوا ربهم ولم يتقوه لأنهم لا يريدون الطاعة للرسول واتباعه، بل إن العصيان هنا شامل لعدم استجابتهم للأهداف الثلاثة كلها (عبادة الله وتقواه واتباع القيادة الرسالية) لأنه هنا يعني رفض الدعوة والداعية كلًّا وتفصيلًّا.
والسؤال: لماذا يتبع الإنسان المترفين؟.
والجواب: لأنه ينبهر بالمال أو القدرة فيلهث وراء من يملكهما، لعله يحصل على بعض الفتات من الخبز، أو تصيبه عزة من عزته، ولكن الأمر على العكس من ذلك بالضبط إذ المجتمع الذي تشيع فيه هذه الثقافة سوف يصبح فريسة مُيسَّرة للمترفين، فيمتصون جهوده ويستغلونه استغلالا بشعا. ولو أننا حققنا في ظاهرة تسلط المستكبرين من أصحاب الثروة والقدرة على المجتمعات والشعوب المستضعفة لوجدناها متأسسة على هزيمة المحكوم نفسيًّا أمامهم، ولا يزيد المستضعفين ذلك إلا خسارة، لأنه كلما زاد الانبهار زاد المستكبر استكبارا، واستغلالا لجهود المستضعفين، وقمعا لتطلعاتهم المشروعة، وطبيعي أن من لا يسخر المال من أجل مصالحه الحقيقية سوف يزداد خسارة كلما ازداد مالا، ومن هنا قال ربنا سبحانه «مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً» لأن المعنى هنا شامل لخسارة الطرفين التابع والمتبوع، وقد لا يشملهما لو جاء التعبير بما هو مفترض (لم يزدهم) ذلك أنه إذا خسر المتبوع فستنجر الخسارة نفسها على التابع الذي يلحق به في كل شيء.
[٢٢] في قلب الإنسان عقل يتوهج بقيم الصدق والصلاح، ووجدان يقظ يحاكم صاحبه عند كل انحراف، وفي المجتمع الإنساني عرف عام يلاحق المجرم باللائمة واللعنة .. كل ذلك يدعو المجرم إلى صنع ثقافة تبريرية للتهرب من وخز الضمير ومحاكمة الفطرة كما يدعوه إلى مقاومة المصلحين وإسكات
أصواتهم المعارضة، لعلهم ينجون من لومهم وإدانتهم ولعل هذا هو السبب في أن الإنسان كلما ازداد إجراما ازداد مكرا وكيدا لأنه تزداد حاجته إلى الفرار من لوم ذاته وإدانة العرف العام. «وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً» بنسبة عصيانهم وضلالهم، وهذا ما يفسر مدى اهتمام المستكبرين وأذنابهم في هذا العصر الذي تزداد فيه الجريمة، ويطغى فيه المستكبرون بأجهزة الإعلام ووسائله، حتى تكاد الميزانية الإعلامية تضاهي أحيانا الميزانية العسكرية.
(٢٣- ٢٦) ومن عظيم مكرهم تواصيهم بالباطل وتضليلهم لبعضهم، إبقاء على